توصف ألمانيا بأنها ’’محرك الاقتصاد الأوروبي‘‘، وعن تأثيرها يقال: ’’عندما يعطس القطاع الصناعي الألماني يتأذى اقتصاد الجيران برمته‘‘…

ورغم أنها تمر بإحدى أعقد المراحل الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية بسبب تداخل مجموعة من الأزمات الجيوسياسية في آن واحد، فإنها لا تزال تُعَدّ ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، حيث سجّل ناتجها المحلي الإجمالي نحو 5.1 تريليون دولار برسم سنة 2025/2026. كما أنها لا تزال تحافظ على مكانتها التجارية الدولية باعتبارها ضمن أكبر المصدرين عالميا في مجالات متعددة، كالسيارات، والآلات، والتكنولوجيا، والكيماويات.

صدمة الحرب الروسية الأوكرانية (2022)

منذ مطلع الألفية الثانية، قررت ألمانيا التخلي عن الطاقة النووية والاعتماد على الطاقة الروسية الرخيصة لتشغيل معاملها وأوراشها الصناعية الكبرى.

استفاد الاقتصاد الألماني بشكل كبير من هذه الوضعية التي كانت قائمة على تفاهمات ومرونة سياسية بين القادة الألمان والرئيس الروسي فلادمير بوتين، بالإضافة إلى سهولة الوصول إلى السوق الصينية الواسعة.

لكن الوضع سيتغير بشكل عميق منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فالقرارات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي ضد روسيا ألحقت ضررا مباشرا باقتصادات دول الاتحاد ذاتها، لا سيما قرار فرض عقوبات اقتصادية على روسيا وقرار فك الارتباط التدريجي بموارد الطاقة الروسية.

وقد ازداد الوضع سوءا بتدمير خط أنابيب الغاز ’’نورد ستريم‘‘، ما أدى إلى إيقاف تدفق جزء كبير من الغاز الروسي الرخيص إلى ألمانيا.

فقدت ألمانيا على نحو إرادي إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة، وانخرطت في إبرام اتفاقات جديدة مع موردين آخرين بأسعار خاضعة لتقلبات السوق ومرتبطة بالأوضاع السياسية الدولية.

النتيجة:  ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل كبير، خاصة في مجال الصناعات الثقيلة، والتعرّض لموجات تضخم ضربت القدرة الشرائية للمواطنين.

وتعتمد ألمانيا في الوقت الحالي على قدر مهم من النفط الآتي من كازاخستان عبر خط أنابيب ’’دروجبا‘‘ النفطي الذي يمر على الأراضي الروسية، ما يجعل هذا الخط محفوفا بمخاطر التقلبات السياسية، حيث إن موسكو سبق وأن أعلنت عدم سماحها بمرور النفط الخام الكازاخستاني عبر خط أنابيب دروجبا إلى مصفاة PCK اعتبارًا من 1 مايو 2026.

ومن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، تحوّل السياسة الدفاعية الألمانية نحو الزيادة في الإنفاق العسكري  بتخصيص ميزانيات ضخمة (صندوق بقيمة 100 مليار يورو) لتحديث الجيش والعتاد، وذلك يقتضي رفع الإنفاق والضغط على الميزانية العامة وعلى اقتصاد الدولة بشكل عام.

صدمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (2026)

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران زادت في تعميق المشاكل التي يواجهها الاقتصاد الألماني؛ فما كان يُعتقد أنه نوع من السير نحو النمو قُبيل الحرب تحوّل بعد حدوثها إلى توقعات عكسية.

فإغلاق مضيق هرمز وما نجم عن ذلك من اضطراب في سلاسل إمداد الطاقة ومشتقاتها أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز المسال وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي تراجع هامش التوقعات الخاص بنمو الاقتصاد الألماني لسنة 2026.

وزيرة الاقتصاد كاثرين رايش اعتبرت أن الانتعاش الاقتصادي الذي كان متوقّعا هذه السنة تعثّر مرة أخرى بسبب الصدمات الجيوسياسية الخارجية وأن التوقعات برسم سنة 2026 قد تتراجع من 1% إلى 0.5% تقريبا مع معدّل للتضخم قد يصل إلى 2.7%.

وبالنظر إلى مخاطر التضخم المتوقعة، يتّجه البنك المركزي الأوروبي إلى إمكانية رفع أسعار الفائدة سيترتب عليها زيادة في تكلفة القروض الممنوحة للشركات الألمانية والتي يعاني بعضها من ضغط الديون المرتفعة.

العوامل الذاتية

الوضع الاقتصادي الألماني إذن، يصطدم بجملة من التحديات المتداخلة

فمن جهة هناك مشكلة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد التي تدفع بالاقتصاد الألماني نحو فقدان التنافسية، وهذا ما تجلى بشكل واضح مع تحويل شركات كبرى (مثل باسف وفولكس فاكن) لعملياتها الإنتاجية إلى دول أخرى كالولايات المتحدة والصين بهدف تخفيض تكاليف الإنتاج. 

وحسب مؤشر التنافسية العالمية (IMD)، كانت ألمانيا تحتل المرتبة الخامسة عشرة في تصنيف التنافسية الدولية ثم تراجعت لتحتل سنة 2025 المرتبة التاسعة عشرة.  

ومن جهة أخرى، يحذّر الخبراء من مشكلة ذاتية تزيد من حجم التحديات تجد أسبابَها في بطء عمليات الانتقال الرقمي، وارتفاع التكاليف الجمركية، وعامل البيروقراطية الذي يعيق بشكل كبير توطين الاستثمارات والقيام بمشاريع استثمارية.

هذا، بالإضافة إلى تضخم ظاهرة شيخوخة السكان التي يترتب عليها نقص العمالة وبالخصوص العمالة الماهرة في المجال الصناعي.

لا يزال الاقتصاد الألماني يحافظ على مكانته بين الاقتصادات الكبرى، لكن وضعه يتعرض لضغوط شديدة، وعبارة: ’’صُنع في ألمانيا‘‘ أخذت تفقد جاذبيتها شيئا فشيئا، وفي ظل هذه المؤشرات يحذّر خبراء اقتصاديون ألمان من نمو صفري تقريبا في المستقبل إذا لم تُجْرَ تغييرات عميقة في المشهد الاقتصادي.

(الفهرس)

 

X