الفهرس

أبو حامد الغزالي (توفي سنة 1111م)

هذه مقتطفات من كتاب “إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي رحمه الله، نلمس فيها اجتهاد العالِم المسلِم في ذلك الزمان و في تلك البيئة و طريقة تعاطيه مع موضوع قديم جديد، ألا و هو تربية الأطفال و تعليمهم.       

يقول الغزالي:

’’ 1ـ اعلم: أن طريق رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوّد الخير وعُلّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، و إن عود الشر وأُهمِل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القَيّم عليه و الوالي له. وقد قال الله عزّ  و جلّ: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم و أهليكم نارا ﴾ [التحريم:6] ‘‘. 

’’ 2ـ ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته: بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من القرناء السوء ولا يُعوِّده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره … ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحا و مخالفا للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء، وهذه هدية من الله تعالى و بشارة تدل على اعتدال الأخلاق و صفاء القلب، و هو مبشر بكمال العقل عند البلوغ… ‘‘. 

’’3ـ وأول ما يغلب عليه من الصفات شرَه الطعام فينبغي أن يؤدب فيه، مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه، وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه، و أن يأكل مما يليه، وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل، و أن لا يسرع في الأكل، و أن يجيد المضغ، و أن لا يوالي بين اللقم، ولا يلطخ يده و لا ثوبه … ويقبح عنده كثرة الأكل؛ بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم … وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان … ‘‘. 

’’4ـ ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل و فعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه و لا يهتك ستره ولا يكاشفه، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه؛ فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فعند ذلك إن عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب سرا ويعظم الأمر فيه ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفضح بين الناس، ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين؛ فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه. وليكن الأب حافظا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا، والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح‘‘. 

’’5ـ وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا و لكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم، بل يعود الخشونة في المفرش والملبس المطعم … و يعوّد في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل … ‘‘. 

’’6ـ ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه و ملابسه أو لوحه ودواته، بل يعوّد التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم، ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ، والأخذ لؤم وخسة ودناءة، وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة…‘‘. 

’’7ـ وينبغي أن يعوّد أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط و لا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل. ويعلم كيفية الجلوس، ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة و أنه فعل أبناء اللئام، و يمنع اليمين رأسا ـ صادقا كان أو كاذبا ـ حتى لا يعتاد ذلك في الصغر، ويمنع أن يبتدئ بالكلام، ويعوّد أن لا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا، وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه، ويمنع لغو الكلام و فحشه، ومن اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك؛ فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء، وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء‘‘. 

’’8ـ و ينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتّاب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا’’.

‘‘9ـ وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ومن هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم، و أن يترك اللعب بين أيديهم‘‘. 

’’10ـ ومهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان، ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب، ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع‘‘. 

’’11ـ ويُخَوَّف من السرقة وأكل الحرام، ومن الخيانة والكذب والفحش، وكل ما يغلب على الصبيان، فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور، فيُذْكَر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجلّ، وأن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها، وأن الموت يقطع نعيمها، وأنها دار ممرّ لا دار مقرّ، وأن الآخرة دار مقرّ لا دار ممرّ …‘‘. 

’’12 ـ فإذا كان النشو صالحا كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر. وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس. فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى، فإن الصبي بجوهره خلق قابلا للخير والشر جميعا، و إنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين . قال ﷺ: (( كلُّ مَوْلودٍ يولَدُ على الفِطرَة وإنّما أبواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصّرانه أو يُمَجّسانه )) انتهى ‘‘. 

X