حديث الجمعة مع مصطفى محمود

حديث الجمعة مع مصطفى محمود

سيداتي وسادتي.. هل تعلمون ما معنى أن الله موجود؟

معناه أن العدل موجود والرحمة موجودة والمغفرة موجودة.

معناه أن يطمئن القلب وترتاح النفس ويسكن الفؤاد ويزول القلق، فالحق لا بد واصلٌ لأصحابه.

معناه.. لن تذهب الدموع سدى ولن يمضي الصبر بلا ثمرة ولن يكون الخير بلا مقابل ولن يمر الشر بلا رادع ولن تفلت الجريمة بلا قصاص.

معناه أن الكرم هو الذي يحكم الوجود وليس البخل.. وليس من طبع الكريم أن يسلب ما يعطيه.. فإذا كان الله منحنا الحياة فهو لا يمكن أن يسلبها بالموت.. فلا يمكن أن يكون الموت سلبا للحياة.. وإنما هو انتقال بها إلى حياة أخرى بعد الموت ثم حياة أخرى بعد البعث ثم عروج في السموات إلى ما لا نهاية.

معناه أن لا عبث في الوجود وإنما حكمة في كل شيء.. وحكمة وراء كل شيء.. وحكمة في خلق كل شيء.. في الألم حكمة وفي المرض حكمة وفي العذاب حكمة وفي المعاناة حكمة وفي القبح حكمة وفي الفشل حكمة وفي العجز حكمة وفي القدرة حكمة.

معناه ألا يكف الإعجاب ولا تموت الدهشة وألا يفتر الانبهار وألا يتوقف الإجلال.

فنحن أمام لوحة متجددة لأعظم المبدعين.

معناه أن تسبح العين وتكبر الأذن ويحمد اللسان ويتيه الوجدان ويبهت الجنان.

معناه أن يتدفق القلب بالمشاعر وتحتفل الأحاسيس بكل لحظة وتزف الروح كل يوم جديد كأنه عرس جديد.

معناه ألا نعرف اليأس و لا نذوق القنوط.

معناه أن تذوب همومنا في كنف رحمة الرحيم ومغفرة الغفار.. ألا يقول لنا ربنا ﴿إن مع العسر يسـرا.. وأن الضيق يأتي وفي طياته الفرج، فأي بشرى أبعث للاطمئنان من هذه البشرى.

ولأن الله سبحانه.. واحد.. فلن يوجد في الوجود إله آخر ينقض وعده ولن ننقسم على أنفسنا ولن تتوزعنا الجهات ولن نتشتت بين ولاء لليمين وولاء لليسار وتزلّف للشرق وتزلّف للغرب وتوسل للأغنياء وارتماء على أعتاب الأقوياء.. فكل القوة عنده وكل الغنى عنده وكل العلم عنده وكل ما نطمح إليه بين يديه.. والهرب ليس منه بل إليه.. فهو الوطن والحمى والملجأ والمستند والرصيد والباب والرحاب.

وذلك الإحساس معناه السكن والطمأنينة وراحة البال والتفاؤل والهمة والإقبال والنشاط والعمل بلا ملل وبلا فتور وبلا كسل وتلك ثمرة لا إله إلا الله” في نفس قائلها الذي يشعر بها ويتمثلها، ويؤمن بها ويعيشها وتلك هي أخلاق المؤمن بــ “لا إله إلا الله”.

وتلك هي الصيدلية التي تداوي كل أمراض النفوس وتشفي كل علل العقول وتبرئ كل أدواء القلوب.

وتلك هي صيحة التحرير التي تحطم أغلال الأيدي والأرجل والأعناق، وهي أيضا مفتاح الطاقة المكنوزة في داخلنا وكلمة السر التي تحرك الجبال وتشق البحور وتغير ما لا يتغيّر.

ولم يُخلق إلى الآن العقار السحري الذي يحدث ذرّة واحدة من هذا الأثر في النفس.

وكل عقاقير الأعصاب تداوي شيئا وتفسد معه ألف شيء آخر.. وهي تداوي بالوهم وتريح الإنسان بأن تطفئ مصابيح عقله وتنومه وتخدره وتلقي به إلى قاع البحر موثوقا بحجر مغمى عليه شبه جثة.

أما كلمة لا إله إلا الله فإنها تطلق الإنسان من عقاله وتحرره من جميع العبوديات الباطلة وتبشره بالمغفرة وتنجيه من الخوف وتحفظه من الوسواس وتؤيده بالملأ الأعلى وتجعله أطول من السماء هامة وأرسخ من الأرض ثباتا.. فمن استودع همه وغمه عند الله بات على ثقة ونام ملء جفنية.

ولأن الله هو خالق الكون ومقدِّر الأقدار ومحرّك المصائر.. فليس في الإمكان أبدع مما كان.. لأنه المبدع بلا شبيه.. لا يفوقه في صنعته أحد.. فلن تعود الدنيا مسرحا دمويا للشرور وإنما درسا رفيعا من دروس الحكمة.

ولأن الله موجود فإنك لست وحدك.. وإنما تحفّ بك العناية حيث سرتَ وتحرسك المشيئة حيث حلَلْت.

وذلك معناه شعور مستمر بالائتناس والصحبة والأمان.. لا هجْر.. ولا غدر.. ولا ضياع.. ولا وحدة..ولا وحشة ولا اكتئاب.

وذلك حال أهل “لا إله إلا الله”…

يذوقون شميم الجنة في الدنيا قبل أن يدخلوها في الآخرة وهم الملوك بلا عروش ولا صولجان. وهم الراسخون المطمئنون الثابتون لا تزلزلهم الزلازل ولا تحركهم النوازل.

تلك هي الصيدلية الإلهية لكل من داهمه القلق.. فيها علاجه الوحيد.. وفيها الإكسير والترياق وماء الحياة الذي لا يظمأ بعده شاربه.. وفيها الرصيد الذهبي والمستند لكل ما نتبادل على الأرض من عملات ورقية زائلة متبدلة.. وفيها البوصلة والمؤشر والدليل.

وفيها الدواء لكــل داء.

(مصطفى محمود/ من كتاب: علم نفس قرآني جديد).

 

X