
سعيد منصفي التمسماني
من مفارقات التاريخ، أن يقود الملك البابلي ’’نبوخذ نصر‘‘ حملة عسكرية توسعية سنة 586ق.م تقريبا ستنتهي بأسر عدد كبير من اليهود واقتيادهم إلى بابل حيث سيبقون هناك مدة خمسين سنة إلى أن حررهم الملك الفارسي ’’سايروش‘‘…
وعند عودتهم إلى بلادهم سيشرعون في كتابة ’’العهد القديم‘‘، أي بعد مضي عدة قرون منذ وفاة النبي موسى عليه السلام…
ومن غرائب الأمور، أن يتضمن كتابهم هذا ’’الوعود التوراتية‘‘ التي تبشر بــ ’’إسرائيل الكبرى‘‘ والتي يوظفونها اليوم لتبرير توسعاتهم وعدوانهم على إيران ’’الفارسية‘‘ التي أخرجتهم في يوم من الأيام من متاهات الأسر…
وإيران ’’الفارسية‘‘ هذه هي نفسها التي يهددها اليوم دونالد ترمب بإعادتها إلى العصر الحجري، وهي نفسها الحضارة التي بلغت حدودها في عهد الإمبراطور ’’داريوش‘‘ من مصر وآسيا الصغرى إلى حدود الهند، في وقت كان فيه الجرمان (الذين ينحدر منهم ترمب) لا يزالون يعيشون حياة الإنسان الأول في همجيته الأولى، لم يهتدوا لا إلى الكتابة ولا إلى أبجديات الحضارة…
ويصاب المرء بالعجب عندما يستمع إلى ترمب ليكتشف أن الرجل لما يتحرر بعدُ من أسْر الغرائز ولا من قبضة الهمجية الأولى التي تزداد عنده تضخما بعد خمسة أسابيع من الجرائم والمجازر والتدمير…!!
يفتخر ترامب بأنه قادر على تدمير البنية التحتية للدولة بالكامل في ساعات: الجسور، ومحطات الكهرباء، والمصانع، بل ومدن بأكملها…
إيران ترفض التهديدات، وترفض الاستسلام أو التفريط فيما تعتبره حقوقا سيادية، وتنذر في الوقت نفسه بأن كل تدمير سيواجَه بتدمير أكبر سيطال المنطقة وحيثما وجدت المصالح الأمريكية والإسرائيلية…
إن حضارة إيران جزءٌ من حضارة الإنسان، وإن الحضارة الإنسانية ستكون ولا ريب خاسرة إذا تعرض جزءٌ منها إلى التدمير بسبب أطماع كائن لا يقدّر قيمة الحضارة .. كأن الإنسان يأبى أن يتحرر من نزعته التدميرية الملازمة له أينما حلّ رغم كل ما أنجزه في مجالات العلوم، أو كأن الملائكة قد صدقت في نبوءتها عندما قالت لخالقها جلّ وعلا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾.
أين يتجه العالم؟ ولماذا تصمت القوى الكبرى؟ ولماذا لا تُمْسك الدول الإقليمية بزمام المبادرة لإيجاد حلّ لأزمة خطيرة تعنيها وتؤثر على مستقبلها؟ وهل يدرك الجميع حقيقة التداعيات التي سيتعرض لها العالم إذا نفذ ترامب تهديداته وتحققت آمال نتنياهو؟
لا يجب الانخداع بكلام المحللين المنخرطين في حملة التضليل الإعلامي الموازية لهذه الحرب، وذلك عندما يتحدثون عن الاستراتيجيات ومشاريع القوى الإقليمية والدولية ويكررون السرديات نفسها في حين يصرفون النظر عن الحقيقة الواضحة في تجلياتها، وهي: أننا أمام حرب اقتصادية، أعلن فيها ترامب صراحة: ’’أريد أخْـذ نفــط إيــران‘‘!!
إن الأمر يتعلق، ببساطة وبعيدا عن التضليل الإعلامي المقصود، بنهج استعماري مقنع على شاكلة ما جرى في القرن التاسع عشر لكن بأدوات أكثر تدميرا، وبصمت عربي إسلامي مريب يدعو للدهشة والأسف والاستنكار في آن واحد…