
قد تُولّد هذه النهاية زلزالا اقتصاديا أقوى من كل الحروب وأعنف من كل تدمير…
يزداد الحديث عن أن نظام البترودولار أخذ يتلاشى تدريجيا، وأن أكبر الدول الخليجية وأقواها، أي المملكة العربية السعودية، تعيد النظر بجدية في ’’اتفاقية البترودولار‘‘.
وهذه الاتفاقية ليست نصا رسميا كُتب ووُثّق وفق البروتوكولات المعمول بها في القانون الدولي للمعاهدات. إنما هي عبارة عن تفاهمات سرية جرت سنة 1974 بين الوزير الأمريكي هنري كيسنجر والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز بموجبها يُباع النفط السعودي بالدولار فقط مقابل توفير حماية أمريكية للخليج.
لا يُعرف على وجه الدقة السقف الزمني لهذه الاتفاقية، لكن المعروف أنها منحت للولايات المتحدة امتيازات اقتصادية يستحيل رصد نموذج لها في الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة بين دولٍ ذات السيادة.
الاتفاق يقتضي استثمار أموال النفط في السندات الأمريكية، ويمنح واشنطن سلطة نقدية بلا مثيل. فهي تستطيع طباعة الدولار دون قيود أو سقف محدد، لأن السلعة الأكثر رواجا في العالم (النفط) تستلزم من طالبيها الحصول أولا على الدولار، فترتفع قيمة الدولار بزيادة الطلب العالمي عليه، والطلب المتزايد على العملة الأمريكية يجعل الولايات المتحدة تفرض هيمنتها على النظام المالي الدولي وتوفّر لنفسها غلافا سميكا يحميها من العجز المالي ويموّل حروبها، بل ويمكّنها من توظيف الدولار في علاقاتها الخارجية كسلاح لفرض العقوبات على من تشاء من الدول ووقت ما تشاء.
مقدمات التوجه السعودي نحو آلية تنويع عملات تسوية مبيعات النفط ليس وليد الساعة. فالسعودية تبيع جزءا كبيرا من نفطها إلى الصين، والاقتصاد الصيني أضحى اقتصادا جاذبا ومغريا، وهذا ما يفسر لجوء الرياض إلى بيع نفطها باليوان لأول مرة سنة 2023 وتوقيع اتفاقية مع بكين لإنشاء بنية مالية تُيسّر التعامل الثنائي باليوان مباشرة.
ولا يقتصر الأمر على السعودية فقط، فالإمارات العربية بدورها تسير في هذا الاتجاه، ودول خليجية أخرى. والنتيجة، أن عملية فك الارتباط المطلق بالدولار الأمريكي في منطقة الخليج قد أخذت مسارها الذي تقتضيه طبيعة التغيرات الاقتصادية على المستوى العالمي.
تحدث هذه التغيرات في سياق وجود ’’جبهة متقدمة‘‘ قائمة انخرطت في عملية إنهاء هيمنة ’’الدولرة‘‘ تتألف من الصين، وروسيا، ودول البريكس، والدول المنشئة لشبكات وخطوط للتبادل الثنائي للعملات.
هل سيَحُلّ البيترويوان محل البيترودولار؟
الجواب قد يختلف حسب التقديرات الاقتصادية ومآلات الصراعات الجيوسياسية… لكن ثمة مؤشرات أفرزتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تدل على أن العلاقة بين البترول والدولار لم تعد على وثاقتها السابقة.
فعندما يصبح المرور بمضيق هرمز غير آمن وترتفع خسائر دول الخليج وتكاليف التأمين، فذلك يعني أن شرطا أساسيا من اتفاق سنة 1974 قد سقط، ألا وهو الضمان الأمني الواجب توفيره لدول الخليج من طرف الولايات المتحدة.. وبسقوط هذا الشرط المحوري قد يصبح الاتفاقُ قابلا للفسخ وفكُّ الارتباط بالدولار مشروعا ولو بشكل جزئي…
وعندما تلوح إيران بورقة اشتراط اليوان ثمنا للمرور، فذلك يجسد جرأة تدعو إلى التساؤل حول مدى استمرار صلابة المركز المالي الدولي للولايات المتحدة عبر الدولار؟
ماذا يعني انتهاء وثاقة العلاقة بين الدولار والنفط؟
1ـ تراجع الطلب العالمي على الدولار، وذلك سيعني انخفاض قيمته في الأسواق المالية، يُستتبع بارتفاع في نسبة التضخم على المستوى الداخلي للولايات المتحدة بسبب ارتفاع تكاليف السلع المستوردة.
2ـ تراجع تأثير الأداة العقابية المالية التي تستعملها واشنطن ضد خصومها..فمن المعلوم أن قسماً كبيراً من صلاحية القانون الأمريكي خارج أراضي الولايات المتحدة يقوم على الدولار، أي على دوره المحوري في المعاملات الدولية، وبالتالي، فإن تراجع الطلب العالمي على الدولار سيؤدي إلى تراجع أدواره السياسية.
3ـ سريان نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب، ومراجعة الدول لسياساتها النقدية.
إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تنتج أزمة الدولار، بل فقط كشفت عنها، فالعملة الأمريكية توجد داخل غرفة الإنعاش منذ سنوات، وما يقوم به حاليا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شن حروب وفرض حصار في المياه الدولية ما هو إلا محاولة للحفاظ على مكانة الدولار ولو بشكل مؤقت.
(الفهرس)
مقالات ذات صلة:
ـ هل تنجح الصين في وضع بديل لنظام سويفت؟
ـ هل يعيش النظام النقدي الدولي مرحلة انتقالية؟