المشهد الحالي يوحي بأن التصادم بين شبكات التواصل الاجتماعي من جهة، وبعض الدول من جهة أخرى، مؤهل كي يتطور، فكل الإجراءت والغرامات والقوانين لم تمنع هذه الشبكات من نشر محتوى لا تتسع له جعبة العديد من الحكومات

هل بات حظر منصات التواصل الاجتماعي على من هم دون السادسة عشرة سنة إجراء قابلا لكي يتسع ويتلاحق ويرتفع عدد الدول الآخذين به؟
بدأ الأمر مع أستراليا، وتواصل مع دول أخرى من أوروبا، مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان، بينما هناك دول في طريق الالتحاق بالركب، ومنها ماليزيا ونيوزلندا والهند وباكستان…
ويستدلون جميعهم، بضرورة حماية الأطفال من المحتوى الضار الرائج في شبكات التواصل الاجتماعي، ومن آثاره الخطيرة على صحتهم النفسية.
ففي الرابع من شهر فبراير 2026 أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خلال الكلمة التي ألقاها في القمة العالمية للحكومات التي عقدت بمدينة دبي الإماراتية، عزم الحكومة الإسبانية على اتخاذ إجراءات تمنع وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، منتقدا تجاهل هذه المنصات للقوانين وتسامحها مع نشر المعلومات المضللة ومحتويات تتميز بالعنف والكراهية، لافتا إلى أن بلاده ستدعّم الإشراف على المنصات الرقمية ومساءلة إداراتها قانونياً عن أي انتهاك.
وما يحدث الآن مع منصات التواصل الاجتماعي ليس وليد اللحظة، فقد نبّهت عدة جهات إلى أدوات التضليل السياسي وإلى لغة العنصرية والكراهية المسموح بها في بعض المنصات.
وقد بلغ المدى السياسي للشبكات الاجتماعية أنها اعتُبرت من أحد العوامل الأكثر تأثيرا في مجريات الربيع العربي سنة 2011.
لكن الأوروبيين والأمريكيين لم يتناولوا الموضوع بالنقد والاعتراض إلا بعد أن وُجّهت لفيسبوك اتهامات بشأن التأثير على عملية التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت)، بالإضافة إلى اتهام المنصة نفسها بالانخراط في توجيه الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016.
وقد بلغت القضية مداها في الولايات المتحدة الأمريكية عندما استُدعي مؤسس فيسبوك، مارك زوكربيرغ، إلى جلسة خاصة في الكونغرس الأمريكي للخضوع للمساءلة بشأن اتهامات تتعلق باستيلاء شركة تحليل بيانات تدعى “كامبريدج أناليتيكا” على معطيات 87 مليون من مستخدمي فيسبوك الأمريكيين وتوظيفها في توجيه الانتخابات الرئاسية الأمريكية لسنة 2016.
وقد تأسست شركة “كامبريدج أناليتيكا” في بريطانيا سنة 2013، وكان أحد أعضائها البارزين “ستيف بانون” كبير مستشاري دونالد ترامب آنذاك، وحصلت على تمويل ضخم من طرف “روبرت مرسر” الذي كان يُعتبر أحد أكبر المتبرعين للحزب الجمهوري.
ثم زادت نسبة الضغط على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الحرب الروسية الأوكرانية والعداوان الإسرائيلي على غزة.
وفي أغسطس 2024 ألقت الشرطة الفرنسية القبض على “بافل دوروف” مؤسس منصة تلغرام بعد هبوط طائرته الخاصة في مطار لو بورجيه بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس. وقد واجهت النيابة العامة الفرنسية دوروف بعدة اتهامات تحت عنوان “التواطؤ والإهمال في إدراة موقع تلغرام” مما سمح باستخدامه في أنشطة غير قانونية.
ورغم الإفراج عن صاحب موقع تلغرام ورفع حظر السفر عنه بشكل كامل، فإن تحقيقات القضاء الفرنسي بشأن هذه القضية لا تزال مستمرة.
وفي ديسمبر/ 2025، فرض الاتحاد الأوروبي على شركة منصة “إكس” الأمريكية غرامة قدرها 120 مليون يورو لعدم امتثالها لقوانين الاتحاد الرقمية.
ولا تزال منصة “إكس” التي يملكها الملياردير إيلون ماسك، تحت أنظار بعض حكومات الاتحاد الأوروبي وتواجه سيلا من الانتقادات.
ففي الثالث من شهر فبراير 2026 خضعت المكاتب التابعة لمنصة “إكس” في باريس إلى تفتيش بموجب تعليمات من النيابة العامة الفرنسية وبالتعاون مع الشرطة الأوروبية (يوروبول).
ووفق البيان الذي أصدرته النيابة العامة الفرنسية، فإن إجراءات التفتيش نُفّذت في إطار تحقيق بدأ في يناير/2025 بسبب شكوى جنائية قدّمها النائب عن “حزب النهضة” إريك بوثوريـل ضد المنصة، وحسب البيان نفسه فإن التحقيق توسّع ليطال بلاغات جنائية متعددة بشأن آلية عمل المنصة، وذلك بعد قيام روبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي “غروك” التابع لمنصة “إكس”، بنشر محتوى ينكر فيه المحرقة اليهودية.
والمشهد الحالي يوحي بأن التصادم بين شبكات التواصل الاجتماعي من جهة، وبعض الدول من جهة أخرى، مؤهل كي يتطور، فكل الإجراءت والغرامات والقوانين لم تمنع هذه الشبكات من نشر محتوى لا تتسع له جعبة العديد من الحكومات.
وقد باتت هناك خشية في العديد من دول الاتحاد الأوروبي من تأثير مالكي شبكات التواصل الاجتماعي على سير الانتخابات وترجيح كفة أحزاب بعينها، لاسيما الأحزاب المحسوبة على اليمين.
فالصراع إذن هو إلى حد ما سياسي بالدرجة الأولى…
ولا شك في أن تقنين الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي وحظر استخدامها على من هم دون سن السادسة عشرة يعني استهداف مجال من بين أهم مجالات الشبكة العنكبوتية، وأن تطبيق مثل هذا الإجراء لا بدّ أن يكون له وقع كبير على مداخيل من يملكون تلك الشبكـات، بل وعلى المعدل العام الذي يقضيه البشر أمام الأنترنت والذي يبلغ حسب منصتيْ “وي آر سوشيال” و “داتا ريبورتال” ستّ ساعات و ثماني دقيقة (06.08) في اليوم.
وقد اعترض بافل دوروف، بواسطة بيان نشره في موقع تلغرام، على القانون الذي تعتزم إسبانيا صياغته، واعتبره تهديدا لحرية التعبير وتحويلا لإسبانيا إلى دولة تمارس الرقابة تحت ستار الحماية.
وبتصريحات أشد، ذهب إيلون ماسك إلى حدّ اتهام الرئيس الإسباني بيدرو سانشيز بالفاشية والشمولية.
والإشكالية المطروحة حول وسائل التواصل الاجتماعي تتسع وتتشعب، وتتعدد جوانبها، فمنها ما هو سياسي، ومنها ما هو مادي، وجانب آخر أخلاقي… هذا، دون إغفال الجانب الخاص بحرية التعبير، التي أضحت تتراجع مساحتها بشكل لافت، ليس فقط بسبب القوانين التي تفرضها الدول وإنما كذلك بسبب قيود الخوارزميات التي تفرضها بعض منصات التواصل الاجتماعي لانحيازها إلى طرف بعينه، وذلك مثل الحجب الذي تتعرض له المنشورات المتافعلة مع القضية الفلسطينية ومع ما يحدث في غزة على وجه الخصوص.
(الفهرس/سعيد منصفي التمسماني)