من المفترض أن تجري الانتخابات العامة الإسبانية في شهر يوليو 2027 إذا سارت الأمور وفق آجالها. لكن هناك أصواتا كثيرة تنادي بتقديم موعد الانتخابات نظرا لعدم الاستقرار الحاصل في الحكومة الحالية، حسب ما يصفون.

الحكومة الإسبانية  التي يرأسها الاشتراكي بيدرو سانشيز، تتألف من تحالف يساري يتكون من الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني الذي يستحوذ على أغلب الحقائب الوزارية، وحزب آخر مكون من مجموعة من الأحزاب اليسارية يسمى “سومار (Sumar) تقوده يولندا دياز (نائبة رئيس الحكومة).

وبما أن الائتلاف الحكومي لا يحظى بالأغلبية المطلقة على مستوى البرلمان، فإنه يحتاج إلى دعم الأحزاب الجهوية والقومية، وهذا الدعم تصيبه أحيانا تغيّرات ناتجة عن تباين الاتجاهات والمصالح السياسية لكل حزب.

ومن جملة الاضطرابات التي أصابت الائتلاف وداعميه، ما قرّره في أكتوبر 2025  الحزبُ القومي الكتلوني المعروف باسم “معًا من أجل كطالونيا” (Junts per Catlunya) عندما سحب دعمه للائتلاف الحكومي وانتقل إلى صف المعارضة، تاركا إياه في حالة من النقص على مستوى مجلس النواب.

أضحى الائتلاف بعد هذا القرار الطارئ لا يتوفر على الأغلبية المطلوبة لتمرير مشاريع القوانين التي يقدمها، فهو مضطر إلى التفاوض مع مكونات الغرفة التشريعية حسب طبيعة كل قانون؛ وهو عمل شاق يؤدي في حالات إلى إفراغ  المشروع القانوني من محتواه الأساسي.

ويبني حزب “جونتس” موقفه على أساس أن الحكومة لم تف بتعهداتها، سواء في قضية “العفو” الذي لم يستفد منه “كارلاس بوتشدمون” رئيس الحزب أو في قضايا نقل بعض الاختصاصات إلى الحكومة الجهوية والاعتراف باللغة الكتلانية ضمن اللغات الرسمية في الاتحاد الأوروبي.

وتعيب المعارضة اليمينية على الحكومة الإسبانية اعتمادها على شركاء متباعدين من حيث المنطلقات والتوجهات والغايات، وأنها حكومة عاجزة عن إصدار قانون المالية بسبب عدم اتفاق مكوناتها، فهي تعمل منذ تنصيبها سنة 2023 بموجب مراسيم لفتح الاعتمادات المالية الضرورية، وهي بعد قرار حزب “جونتس” الكتلاني في وضعٍ أشبه ما يكون بوضع حكومة تصريف أعمال ليس إلا، غير قادرة على القيام بوظيفتها التشريعية، وهذا ما يجعلها في نظر المعارضة حكومة ضعيفة مهيئة لتقديم تنازلات سيادية للأحزاب الانفصالية الكتلانية والباسكية. لذلك، تصر المعارضة على الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة يعتبرون أنها ستكون لصالح أحزاب اليمين.

لكن حكومة الائتلاف مصممة على استنفاذ ما تبقى من ولايتها، وهي تعلم أن الآلية القانونية الوحيدة لإجبارها على تغيير موقفها هي آلية تقديم ملتمس الرقابة (حجب الثقة) من طرف المعارضة، وهذا خيار مستبعد ما دام أن حزب “جونتس” الكتلاني غير مستعد للانخراط فيه لأن حصيلة الملتمس ستكون حتما ضد القضية الكتلانية بما أنها ستفضي إلى أن يتولى الحكم  تحالفٌ يميني مكون من حزب الشعب وحزب “فوكس” المحسوب على اليمين المتطرف والمعروف بمواقفه المضادة لمطالب القومييـن.

وإذا كانت مواقف المعارضة اليمينية أمرا متوقعا لطبيعة عمل المعارضة، وإذا كانت مطالب حزب “جونتس” مفهومة ويمكن التفاوض بشأنها، فما هو غير مفهوم ولم يكن منتظرا هو ما يصرح به بعض القادة التاريخيين للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، مثل ألفونسو ݣيــرّا وفيليبي غونزاليس.

 وفيليبي غونزاليس، هو رئيس الحكومة الإسباني  من سنة 1982 إلى سنة 1996،  وزعيم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني بلا منازع من 1974 إلى 1997، ويعتبر زعيما شرفيا ومرجعا للاشتراكيين الإسبان، لكن تصريحاته في الآونة الأخيرة لم تعد تصب في مصلحة الحزب بقدر ما أنها تغذي الأطروحة السياسية لليمين.

 ففي العاشر من فبراير 2026، قال غونزاليس خلال لقاء إعلامي في نادي مدريد الثقافي (Ateneo de Madrid) إنه سيدلي بورقة بيضاء  إذا ترشح سانشيز في الانتخابات العامة المقبلة، وأن لا أحد من المرشحين الحاليين يمثله.

ويأتي هذا التصريح في وقت لا تجري فيه الرياح بما تشتهيه سفن الحزب الاشتراكي والائتلاف الحكومي، لاسيما بعد النتائج الهزيلة التي ضربت الحزب في الانتخابات الجهوية الأخيرة في منطقة إكستريمادورا ثم في منطقة أراغون.

وقد تتكرر النتائج السلبية  في  الانتخابات الجهوية الأخرى أو حتى في الانتخابات العامة، وذلك تبعا لبعض المؤشرات التي ترجح تقدم اليمين، واليمين المتطرف على وجه الخصوص.

أما أسباب تراجع اليسار في إسبانيا وتقدم اليمين، فهي كثيرة ومختلفة، ويصعب حصرها في مجموعة واحدة…

فهناك من يرى أن الدورة السياسية لحزب سانشيز قد بلغت منتهاها بعد أن قضى في السلطة أزيد من سبع سنوات، وأن طبائع الأمور في الأنظمة الديمقراطية تحفّز الناخب على ممارسة حقه في تغيير المشهد السياسي كلما كانت الدواعي السياسية والاقتصادية تدفعه إلى ذلك.

ورأي آخر يقول إن انتهاء “صلاحية” الحكومة الحالية يكمن في تضارب مكوناتها  وعدم قدرتها على تبني خط سياسي متماسك، حيث إن أغلب سياساتها المعتمدة هي مجرد ردات فعل لإرضاء هذا الشريك أو ذاك وصولا إلى حدّ التنازل عن بعض المبادئ الدستورية السيادية أمام المطالب الابتزازية للأحزاب الانفصالية، وفق ما يصورون. وبالتالي يستنتجون أن حكومة بهذه الأوصاف لا تستطيع الاستمرار، وأن الوقت قد آن لإجراء انتخابات عامة مبكرة.

وفريق آخر يعزو الأسباب إلى الأزمة الاقتصادية، والهجرة، والفساد المالي (قضية كولدو على سبيل المثال)، وتدني مستوى معيشة المواطنين وقدرتهم الشرائية، وضعف الحكومة المركزية، وفقدان الخطاب اليساري للمصداقية  بسبب التناقض الحاصل بين ما يقوله زعماء اليسار الإسباني والأسلوب البرجوازي الذي يتبعونه في حياتهم اليومية…

ويذهب الصحفي الإسباني مدير جريدة “لارثون” (LA RAZÓN) فرانسيسكو مارويندا إلى أن الحجج التي كان يدفع بها اليسار الإسباني لتقويض صورة اليمين أمام الناخبين، قد جُرّدت من قوتها، حيث إن “التخويف من اليمين المتطرف لم يعد فعالاً، لأن الحقوق والحريات  المكرسة في الدستور الإسباني ليست معرضة للخطر”. مضيفا: “لا يمكننا أن نقول الشيء نفسه عن سياسات الشيوعيين والانفصاليين والقادة السابقين لمنظمة إيتا”، في إشارة منه إلى مكونات الائتلاف الحكومي وداعميه.

أما التحليل المقابل، فهو لا يستسلم لفكرة التراجع المحتوم لليسار الإسباني، لكنه يدعو إلى الإصلاح وتوحيد آليات العمل على مستوى اليسار بكل أطيافه. ويرى أصحاب هذا التحليل، أن تعدد مكونات الائتلاف الحكومي أصبح أمرا واقعا في المشهد السياسي الإسباني منذ سنة 2015، أي منذ انتهاء عهد هيمنة  الحزبيْن التقليدييْن على مقاليد الحكم في إسبانيا، وأن الاعتراف بهذا التعدد هو مصدر قوة بدلا من أن يكون مصدر ضعف، ويستدلون على ذلك بالنتائج التاريخية التي حصل عليها حزب العمال الاشتراكي الكتالوني في الانتخابات الجهوية الكتلانية في 12 مايو 2024 حيث تمكن من إنهاء هيمنة الأحزاب القومية على البرلمان الكتلاني، وهو إنجاز له دلالات كبيرة إذا ما نُظر إليه في سياق القضية الكتلونية وتحدياتها. ومن ثمة، فإنهم يُقدِّرون أن الوقت الانتخابي لايزال يسمح لليسار بتصحيح أخطائه وتدارك تأخره وتعديل توقعاته نحو الأفضل.

والحقيقة أن البواعث الموجّهة لاختيارات الناخبين ونزوع فئات كبيرة منهم نحو اليمين في الوقت الحالي، هي بواعث متعددة، وقد تكون ظرفية تتحكم فيها سياقات اقتصادية وسياسية واجتماعية آنيـة.

ومعلومٌ أن اليمين، واليمين المتطرف على وجه الخصوص، في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية، قد قررّ أن يعلق الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الغرب على مشجب الهجرة، وذلك لهدف سياسي لا يتعدى مداه استمالة الناخبين واختراق باب السلطة بأرخص الوسائل وأدناها.

وقد أعطى هذا المسلك ثماره في بعض الدول، ويتمسك به بشدة حزب “فوكس” اليميني المتطرف في إسبانيا، ويحذو حذوه “حزب الشعب” الذي كان محسوبا على وسط اليمين إلى أن تبنى قادته الوسائل نفسها التي يستعملها منافسه السياسي.

ومسألة الهجرة في إسبانيا تلقي بظلالها على حظوظ اليسار الانتخابية، إذ يتهمه سياسيو اليمين بـ “إغراق” إسبانيا بالمهاجرين، ويتبنوّن منطق “المؤامرة”، فيتحدثون عن نظرية “الاستبدال الكبير” التي يروّج لها اليمينيون المتطرفون في فرنسا وفي أنحاء أوروبا، وتفعل هذه الادعاءات فعلها في المواطنين الذين ضيّق عليهم الوضع الاقتصادي الخناق فأصبحوا مهيئين لقبول الوعود المزيفة والدعاية المضللة دون أدنى تمحيص.

مشكلة اليمين المتطرف في إسبانيا أنه لا يتوفر على برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يجعله قادرا على خوض نقاش عمومي حقيقي وتقديم البدائل المقنعة للناخبين، لذلك يحول النقاش عن مجراه الطبيعي ليركز على تهديد وهمي يدعي أن مصدره نابع من المهاجرين، خاصة المهاجرين المغاربة والمسلمين، وهو يحاول تضخيم هذا التهديد ليقدم نفسه كــ “منقد” لا غنى عنه…!!

والظاهر أن خطاب الكراهية قد أعطى غَلتـه، ومكّن مُروّجه  في محطات انتخابية من الحصول على أصوات ما كان له أن يظفر بها لو اعتمد المنافسة السياسية النظيفة.

لقد أصبحت كل الوسائل مباحة في التباري السياسي على السلطة .. وإن ما يحدث في إسبانيا بين اليمين واليسار من اختلاف، ولاسيما في السنوات الأخيرة، قد لا توجد له أمثلة في أوروبا، ففي إسبانيا يتعدى الاختلاف بين القطبين السياسييْن حدود البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى ماهو أبعد، حيث يصير نوعا من الصراع الوجودي الذي لا تَوافق فيه حتى لو ارتبط الأمر بقضايا مهمة تعني المصلحة العامة للدولة.

في جميع الحالات، فالانتخابات العامة في إسبانيا تتميز بقدر كبير من الأهمية لأنها الحصن الأساسي الحامي للديمقراطية في هذا البلد، ولأن الناخب الإسباني يُعتبر فيها المرجع الوحيد الذي له الكلمة الفصل في من ستؤول له زمام السلطة السياسية بعد انتهاء كل ولاية برلمانية.

وقد أثبتت التجارب السياسية في هذا البلد، وجود صنفٍ من الناخبين لا يلتزمون بالتصويت لصالح حزب سياسي بعينه إنما تحركهم اعتبارات أخرى تتعلق بأداء الأحزاب وبرامجها، وهؤلاء قد يحسمون النتيجة لهذا الحزب أو ذاك دون الالتزام بالوفاء للوْنٍ سياسي خاص.

وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات، يكون من السابق لأوانه التنبؤ بما قد يحصل من الآن إلى غاية منتصف السنة المقبلة، فقد تتغير نتائج الحسابات الانتخابية متأثرة بتغيّر عوامل الأحداث السياسية والاقتصادية وربما بمستجدات خارجية ذات طابع إقليمي أو دولي.

(الفهرس/سعيد منصفي التمسماني)

 

X