في غزو تجاري عنيف استُعملت فيه كل الوسائل، بدءا من الأفيون إلى النيران الكاسحة

 

 

صفحات من التاريخ

وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بلاعبين جدد .. ما تقوم به أمريكا اليوم سبق وأن قامت به دول غربية في القرن التاسع عشر مع الصين بوسائل لا تختلف عن ما هو معمول به اليوم إلا من حيث الشكل .. فكيف كان ذلك؟ يروي لنا المؤرخ إتش غومبريتش الأحداث كالآتي:

((في مناسبات عدة، قدم اليسوعيون إلى الصين ليبشروا بالمسيحية. كانوا في العادة يُستقبلون بكل كياسة، حيث كان إمبراطور الصين يرغب في معرفة العلوم الغربية، وتحديدا علم الفلك. أخذ التجار الأوروبيون الخزف من الصين معهم إلى الديار. حاول الناس في كل مكان أن يقلدوا جماله ودقته الرائعيْن، غير أنهم احتاجوا إلى قرون من التجارب قبل أن يستطيعوا تحقيق ذلك. كم من مناحي الحياة تفوّقت فيها الإمبراطورية الصينية، بالملايين العديدة من مواطنيها المثقفين، على أوروبا، ذاك ما يمكنك معرفته من الخطاب الذي أرسله إمبراطور الصين إلى ملك إنجلترا في 1793.

طلب الإنجليز من إمبراطور الصين الإذن في إرسال سفير إلى البلاط الصيني، وكذلك للتبادل التجاري مع الصين. أرسل الإمبراطور شين لونغ، وقد كان عالما شهيرا وحاكما قادرا، الرد التالي:

   “أنت أيها الملك، تعيش بعيدا عبر بحار عديدة. بيد أنك مدفوع برغبتك المتواضعة في أن تنهل من خيرات ثقافتنا، فإنك قد قمت بإرسال وفد قدم رسالتك بخالص الاحترام. ولقد أكدت لنا أن تبجيلك لأسرتنا السماوية الحاكمة هو ما يملؤك بالرغبة في تبني ثقافتنا، غير أن الاختلاف بين تقاليدنا وقوانيننا الأخلاقية وتلك التي تؤمنون بها عميق، بحيث لو استطاعت بعثتكم بأن تستوعب المبادئ الأساسية في ثقافتنا، فإن عاداتنا وتقاليدنا لا يمكنها أن تنمو في تربتكم. فحتى أكثر طلابكم اجتهادا، ستذهب كل جهوده هباء.

   إني أضع نصب عيني في حكمي لهذا العالم الفسيح هدفا نهائيا أتطلع إليه، وهو التالي: أن أحكم بالكمال وأن أوفي بالواجبات تجاه الدولة. الأشياء النادرة والمكلفة ليس لها أهمية بالنسبة إلي، فليس هناك أي منفعة من البضائع الآتية من بلدكم. فمملكتنا السماوية تمتلك كل الأشياء وبوفرة ولا تحتاج إلى شيء خارج حدودها. وعليه، فلا حاجة هناك إلى إرسال سلع آتية من بلاد البرابرة الغرباء لمبادلتها بمنتجاتنا. بيد أنه –وحيث إن الشاي والحرير والخزف، كلها منتوجات لمملكتنا السماوية، تعد حاجات ضرورية لشعوب أوروبا ولكم أنتم شخصيا- سوف يستمر التبادل المحدود المسموح به حتى هذه اللحظة في مقاطعة كانتون. وإذ إنني أضع في الاعتبار الانعزال البعيد لجزيرتكم، المفصولة عن العالم بقفار من البحار، فإنني أغفر جهلكم المبرر لعادات المملكة السماوية. فلتنتفض أمام أوامري ولتطعها”.

كان ذلك ما قاله إمبراطور الصين لملك جزيرة بريطانيا الصغيرة. غير أنه لم يحسن تقدير بربرية سكان هذه الجزيرة البعيدة، بربرية استعرضوها بعد ذلك بعدة عقود عندما وصلوا بسفنهم البخارية. لم يعد هؤلاء مستعدين لتحمل هذه التجارة المحدودة المسموح بها لهم في مقاطعة كانتون، حيث إنهم وجدوا سلعة أعجبت الصينيين كثيرا: إنه سمّ، وهو نوع مميت في الواقع. عندما يُحرَق الأفيون ويتم استنشاق دخانه، فإنه يعطيك أحلاما سعيدة لفترة قصيرة، بيد أنه يمرضك بعدها بشكل مروع. كل من يدخن الأفيون لا يستطيع أن يتخلى عن هذه العادة أبدا. إنها عادة شبيهة بشرب البراندي، لكن أعمق خطورة بكثير. وقد كانت تلك هي السلعة التي أراد البريطانيون أن يبيعوها للصينيين وبكميات ضخمة. أدركت السلطات الصينية خطورة هذه السلعة على الشعب، وفي عام 1839 اتخذوا إجراءات صارمة لضرب هذه التجارة.

وعليه، فقد عاد البريطانيون إلى الصين في سفنهم البخارية، هذه المرة مسلحين بالمدافع. ولقد ملأوا الأنهار الصينية بالبخار وأطلقوا النار على المدن المسالمة، محولين القصور الجميلة إلى غبار ورماد.

مصدومين ومرتبكين، كان الصينيون عاجزين عن إيقافهم حيث لزم عليهم الانصياع لأوامر تلك الشياطين الغريبة ذات الأنوف الكبيرة: كان عليهم أن يدفعوا مبالغ كبيرة من المال وأن يفتحوا موانئهم للتجارة الأجنبية.

بعد ذلك بوقت قصير، انفجرت ثورة في الصين عرفت باسم  “تايبينغ” –أو ثورة السلام العظيم- والتي بدأها رجل أعلن نفسه الملك السماوي للمملكة السماوية للسلام العظيم. في البداية آزره الأوروبيون، غير أنه عندما أصبح ميناء شنغهاي مهددا، حارب الأوروبيون في صفوف القوات الإمبراطورية لحماية تجارتهم ومن ثم هزم الثوار.

كان الأوروبيون مصرين على التوسع في نشاطهم التجاري وتأسيس سفارات في عاصمة الصين، بكين. بيد أن الحكومة الإمبراطورية لم تكن تسمح بذلك.

وعليه، في العام 1860، اجتمعت القوات البريطانية والفرنسية شاقّةً طريقها باتجاه الشمال، وعاملة على قصف المدن وإهانة حكامها. عندما وصلوا إلى بكين كان الإمبراطور قد هرب. وانتقاما من المقاومة الصينية، سرق البريطانيون القصر الصيفي الإمبراطوري القديم الرائع ونهبوه وأحرقوه بما فيه من روائع الأعمال الفنية المؤرخة من الأيام الأولى لنشأة الإمبراطورية.

محطّمة وفي حال من الارتباك التام، أجبرت هذه الإمبراطورية الضخمة المسالمة ذات الألف عام على الانحناء أمام مطالب التجار الأوروبيين. كان ذلك جزاء الصين لتعليمها الأوروبيين فن صناعة الورق، وطريقة استعمال البوصلة، وللأسف كيفية صنع البارود)).

المصدر: “مختصر تاريخ العالم –تأليف إتش غومبريتش”

X