هناك قول حكيم للزعيم دنغ شياوغ بينغ: ’’أخفِ قوّتك، وانتظر وقتك‘‘..

زيارة دونالد ترامب إلى الصين في الثالث عشر من شهر مايو 2026 سيسجلها التاريخ كعلامة انكسار للإمبراطورية الأمريكية..

العالم يتغير، وموازين القوى تتغير بإيقاع أسرع من المتوقع، والذين لا يزالون يقرأون العلاقات الدولية ضمن الزمن الأمريكي يجعلون أنفسهم خارج سياق عجلة التاريخ..

هذه هي الزيارة الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ تسع سنوات.. الصين التي اعتبرها ترامب عدوا وجوديا للولايات المتحدة، وراح يحذّر منها في كل خطاباته ويتهم الرؤساء الأمريكيين السابقين بتهاونهم إزاءها، ويهدد بالتدخل العسكري في قضية تايوان، ويفرض عليها القيود التكنولوجية والرسوم الجمركية، بل ذهب أبعد من هذا كله بمحاولته خنق الصين عبر فرض حصار بحري على البلدان التي تصدّر النفط إليها، بدأه مع فنزويلا وغامر به مع إيران.. وهو حصار في حقيقته توهّم به الرئيس الأمريكي إخضاع الصين القوية بعدما فشل في مجاراتها اقتصاديا.

ثم انتهى الأمر بترامب بعد مسار طويل مليء بالمحاولات الفاشلة إلى الجلوس أمام الرئيس شي جي بينغ في بكين يثني عليه ويمدحه، فتارة يُصِرّ على ’’الصداقة‘‘ الشخصية التي تربطه بنظيره الصيني قائلا له: ’’كنت أتصل بك وتتصل بي‘‘، وأن ’’العلاقة بين الصين والولايات المتحدة ستكون أفضل من أي وقت مضى‘‘، وتارة يبالغ في الإطراء فيقول له: ’’أنت قائد عظيم‘‘، وتارة أخرى ينظر إلى رجال الأعمال الأمريكيين الذي رافقوه فيقول إنهم موجودون في بكين ’’لتقديم احترامهم‘‘…

نعم، نخبة من رجال الأعمال الأمريكيين فاحشي الثراء اصطحبوا ترامب، من بينهم: إيلون ماسك رئيس شركتيْ تيسلا وسبيس إكس، وتيم كوك رئيس شركة آبل، وجينسين هوانغ رئيس شركة إنفيديا، ولاري فينك رئيس شركة بلاك روك، وستفين شوارزمان رئيس مجموعة بلاكستون، ودينا باول مكورميك نائبة رئيس شركة ميتا التي تضم منصة فيسبوك، وآخرون.

وجود وفد من الأثرياء الذين يمثلون أكبر الشركات الأمريكية في مجالات التكنولوجيا والمال والطاقة والطيران، والذين وصفهم ترامب بأنهم ’’أفضل رجال الأعمال في العالم‘‘، وجودهم في هذا اللقاء الرفيع يظهر مدى حاجة الاقتصاد الأمريكي إلى السوق الصينية، بصرف النظر عن الخطاب السياسي اليائس المتداول لسنوات لتشويه صورة الصين وتقديمها كعدو للمصالح الأمريكية.

أراد فريق الدعاية المحيط بترامب تركيب صورةٍ وتقديمها بعناية لتبدو على شكل ’’فتحٍ‘‘ أحرزه الرئيس الأمريكي في بكين.. لكن الأمر لا يعدو كونه مسرحية رديئة الإخراج يُراد ترويجها كــ ’’انتصار دبلوماسي‘‘، بينما الواقع يتكلم عن فشل وضعف ضمني.

حَلّ ترامب في الصين وأمامه ملفات ثقيلة: تايوان، الرسوم الجمركية، القيود التكنولوجية، المعادن النادرة،  وملف إيران المُرهِق.

لكن وضعه الحالي في هذه المناسبة لا يخوِّله المساحة الكافية التي يحتاجها، فبعد الورطة الاستراتيجة بسبب الحرب التي شنها على إيران رفقة حليفه بنيامين نتنياهو، وبعد فشل حروبه التجارية التي انعكست آثارها السلبية على المجتمع الأمريكي نفسه وقطاعاته الصناعية، وبعد أن أصبح واضحا أن أمريكا لا تستطيع مجاراة الصين في زحفها الاقتصادي أو إيقاف تقدمها التكنولوجي وأنه لا معدى عن السوق الصينية لاستقرار الاقتصاد الأمريكي… بعد كل هذه الإخفاقات والنتائج، وفي ظل تحديات سياسية تتربص بالمستقبل السياسي لترامب نفسه وتحاصره بموعد انتخابي لا يمكن تجاوزه، يصل الرئيس الأمريكي إلى بكين باحثا عن حلول لملفات معقدة من مستويات مختلفة.

يريد ترامب الحصول على مساعدة بكين في فتح مضيق هرمز واحتواء الصراع مع إيران، ويبحث عن استقرارٍ للاقتصاد الأمريكي في السوق الصينية، وبيع المزيد من فول الصويا ولحم البقر وطائرات بوينغ، وصياغة تفاهمات حول التحديات التي تواجه المجالات الصناعية والتكنولوجية الأمريكية.

الصين تعي ضغط المأزق المحيط بترامب، وتعلم أنه بات في موقف ضعف..

هنا يجب استحضار فقرة من الخطاب الذي أرسله إمبراطور الصين إلى ملك إنجلترا سنة 1793 جوابا على طلبه لإقامة تبادل تجاري مع الصين:

((إن الأشياء النادرة والمكلفة ليس لها أهمية بالنسبة إلي، فليس هناك أي منفعة من البضائع الآتية من بلدكم. فمملكتنا السماوية تمتلك كل الأشياء وبوفرة ولا تحتاج إلى شيء خارج حدودها)).

واليوم، تستقبل الصين رئيس الولايات المتحدة وهي واثقة من نفسها، من سياستها واقتصادها وقوتها.. وتقيم له مراسم استقبال مشبعة برموز صينية مختارة بعناية، ربما لتوحي إلى ضيفها أنها تسيطر على المشهد، لا سيما عندما يقول الرئيس الصيني شي بوضوح بشأن تايوان: ’’إذا أسيء التعامل مع الأمر، فقد يدخل البلدان في خلاف بل وحتى في صراع‘‘.

لقد دأبت الولايات المتحدة على التعامل مع الصين من منطلق الوهم بالتفوق والغطرسة الإمبريالية، لا سيما في عهد إدارة دونالد ترامب، فكانت تهدد وتحذّر، وتتدخل في الشؤون الداخلية للصين، وتفرض عليها العقوبات، وتضع أمامها العراقيل لكبح تقدمها الاقتصادي. بينما سارت الصين على نهجها بهدوء، تعمل وتجتهد وتبني وتبدع في كل المجالات الاقتصادية، والآن صارت تتفوق، وتستغني عن النظام المالي الدولي الذي تتحكم فيه واشنطن، بإنشاء شبكة مالية صينية بديلة لنظام سويفت لإنجاز العمليات المالية والتجارية الدولية وفق نظام جديد يُعرف اختصارا بـ ’’ سي ب س‘‘ CIPS، ويعني: ’’نظام المدفوعات بين البنوك العابر للحدود‘‘ والذي يزداد عدد المنضمين إليه من الدول، ويجعل من اليوان الصيني مرشحا ليكون في المستقبل بديلا لصيغة ’’البترودولار‘‘، وهذا هو الأخطر.

هناك قول حكيم للزعيم دنغ شياوغ بينغ: ’’أخفِ قوّتك، وانتظر وقتك‘‘..

يختزل هذا القول العقلية الصينية المستمدّة من الفلسفة الكونفشيوسية، ويتعارض كليا مع ثقافة الصراخ والتبجّح والتمدّح والمباهاة التي ينتهجها دونالد ترامب..

 في هدوئه المعتاد، قال الرئيس الصيني شي: ’’إن التغيّرات التي لم يسبق لها مثيل منذ قرن من الزمن تتسارع الآن‘‘..

إنها رسالة مدروسة بعناية لمن يهمه الأمر، ووتوافق مع ما قاله الرئيس الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس: ’’النظام القديم لن يعود لا يجب أن نرثيه .. الحنين ليس استراتيجية‘‘.

عندما يقول الرئيس الكندي ذلك، وعندما تقترب كندا من الصين بعد عقود من الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة، فإن ذلك ليس خبرا عارضا، وإنما هو مؤشر على تغيّرٍ عميق يحدث في العلاقات الدولية وبناء التحالفات.

لا تزال الولايات المتحدة تعتبر القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكن الحفاظ على هذا الوضع يقتضي التفوق الصناعي والتكنولوجي على الدوام.. والغاية هنا غير محسومة، كما أن امتلاك القوة الآنية غير كاف لبسط النفوذ في ظل ظهور قوى إقليمية فاعلة تستطيع تغيير المعادلات..

تنخرط واشنطن في صراعات لا تنتهي، تستنزف طاقتها، بينما تسير بكين على وقْع الصبر والهدوء والانتظار.. والنتيجة: تغيير حتمي في موازين القوى لن تنفع معه حاملات الطائرات ولا العقوبات الاقتصادية ولا الرسوم الجمركية من تفادي تصدّع الإمبراطورية.

(الفهرس)

X