تركيا تدخل نادي الكبار في مجال الفضاء.. بينما تنظر إسرائيل إلى المشروع التركي كمنظومة تهدد أمنها وتنشئ تحديا جديدا لما تسميه بـ ’’الردع الاستباقي‘‘

في الوقت الذي يشتد فيه الصراع بين القوى الكبرى على المواقع الاستراتيجية، تعلن تركيا عن مشروعها لبناء محطة فضائية على الساحل الصومالي تشتمل على منظومة من المرافق التقنية من بينها موقع لإطلاق الأقمار الاصطناعية والصواريخ.
وأهمية المشروع لا تكمن في طبيعته فقط، فهو مشروع استثنائي إذا ما عُلم أن عدد المحطات المماثلة لا يتجاوز إثنتي عشرة محطة في العالم، إنما أهميته الكبيرة يستمدها أيضا من المكان الاستراتيجي الذي سيقام فيه، حيث يلتقي البحر الأحمر والمحيط الهندي وحيث الإطلالة المباشرة على باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التجارية في العالم وعصَب معابر الطاقة. ثم إن الصومال يعَدُّ الموقع الأنسب تقنيا لإطلاق الصواريخ والأقمار الاصطناعية لمحاذاته خط الاستواء.
وقد أكد رئيس مجلس إدارة الشركة التركية ’’بايكار‘‘، سلجوق بايرقدار، أثناء مشاركته في مؤتمر ’’تيك أوف إسطنبول 2025‘‘، أن أعمال بناء المحطة بدأت فعليا في الساحل الصومالي على مساحة تبلغ ثلاثين كيلومترا طولا وثلاثين كيلومترا عرضا.
إن هذه النقلة النوعية من مجال الصناعات الدفاعية إلى مجال الفضاء هي ثمرة ’’البرنامج الوطني للفضاء‘‘ الذي أعلنت عنه تركيا سنة 2021 وهيّأت له أسباب النجاح.
أما اختيار الصومال كموقع للمشروع فليس وليد الساعة إنما هو نتاج عمل مخطط ذي اتجاه تصاعدي ارتفعت سرعته منذ سنة 2011 بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للصومال.
فمنذ ذلك الحين، ركّزت تركيا على تأسيس حضور متين لها في الصومال يجعلها تنافس القوى الكبرى المتهافتة على منطقة القرن الأفريقي والشريط الساحلي الغربي للبحر الأحمر، فاستثمرت في البنى التحتية للصومال وأهّلت موانئه المطلة على المحيط الهندي وأعادت تهيئة مطار مقديشو وقدمت المساعدات الإنسانية للمجتمع الصومالي.
وتجاوزت المبادرات التركية المجالين الاقتصادي والاجتماعي لتتعمّق في المجال الأمني عبْر تزويد الصومال بالخبرات الدفاعية والأمنية وإرسال مستشارين عسكريين وإنشاء قاعدة عسكرية تركية في الأراضي الصومالية.
والمشروع التركي هو في حقيقة الأمر ذو طبيعة مزدوجة من حيث الاستخدام. فيمكن توظيفه لأغراض مدنية كإطلاق الأقمار الاصطناعية التي لها وظائف مدنية، أو توظيفه لأغراض عسكرية كاختبار الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى.
تريد تركيا امتلاك أسباب القوة من خلال إحداث تكامل بين صناعتها الدفاعية والفضائية. وتسعى إلى تطوير صناعة محلية للصواريخ، وهذا ما تقوم به –على سبيل المثال- شركتا ’’روكيستان‘‘ و ’’بايكار‘‘.
طموحات تركيا وأهدافها في مجال الصناعة الفضائية عبّر عنها بوضوح رئيس وكالة الفضاء التركية، يوسف قيراج، في حديث أجراه مع وكالة الأناضول، وضّح فيه أن مجال الفضاء هو أحد أهم مجالات السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، وأن بلاده تسعى إلى تحقيق استقلالية استراتيجية في الوصول إلى الفضاء وبناء منظومة فضائية متكاملة، منبها إلى أن العالم يشهد تحولًا جوهريًا في مفهوم الأمن والدفاع، حيث بات الفضاء عنصرًا أساسيًا في موازين القوة، مؤكدًا أن أي دولة لا تمتلك حضورًا قويًا في الفضاء ستواجه تحديات كبيرة في المستقبل، سواء على الصعيد العسكري أو المدني.
هذا الواقع الجديد، وهذه الأهداف التي أخذت تتحقق تباعا، وسقف الطموحات المرتفع، هذه الأمور كلها، إن كانت ترضي تركيا فإنها تثير قلق بعض القوى الكبرى وقلق إسرائيل على وجه الخصوص.
وإذا كانت تركيا تدخل نادي الكبار في مجال الفضاء من بابه الواسع، فإن الكيان الصهيوني يرى المشروع التركي كمنظومة تهدد أمنه وتنشئ تحديا جديدا لما يسميه بـ ’’الردع الاستباقي‘‘، فالتكامل الذي تتوخاه أنقرة بين صناعاتها الدفاعية والصاروخية والفضائية إذا ما أنجِز سيكون خطرا استراتيجيا على أمن تل أبيب وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط.
تقترب تركيا من إسرائيل شيئا فشيئا عبْر سوريا، وها هي ترصدها اليوم من ساحل الصومال المطل على باب المندب، وباب المندب هذا ليس ممرا عاديا بالنسبة لأمن إسرائيل ومصالحها الاقتصادية.
على ضوء الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومستجداتها يمكن قراءة السياسة التي تنهجها إسرائيل في دول تلك المنطقة وفهم أبعادها. فتورطها في إذكاء حروب السودان وتقسيمه، وإعلانها الاعتراف بإقليم ’’أرض السودان‘‘ الانفصالي يوم الجمعة 26 دجنبر 2025، وموقفها المدعم لإثيوبيا في قضية سد النهضة على حساب الحقوق ’’المائية‘‘ لمصر، كل هذه السلوكات وغيرها، إنما هي سياسات مدروسة لإضعاف أطراف بعينها وإحداث فوضى تكون اليد الطولى فيها لتل أبيب.
تريد تركيا أن تكون حاضرة بقوة في منطقة يشتد الصراع حولها بين القوى الدولية، تريد الدفاع عن مصالحها باكتساب أسباب القوة وبتوظيف الشعور الديني عند الاقتضاء، بينما تقف بعض الدول العربية المعنية بما يجري موقفا سلبيا لا يتفق مع مصالحها الوطنية والإقليمية، ويقف البعض الآخر موقفا وظيفيا يساير مصالح بعض القوى ومصالح إسرائيل بصفة خاصة.
(الفهرس/سعيد منصفي التمسماني)