كيف نفهم المصالح الأمريكية؟…

frf

بقلم: سعيد منصفي التمسماني

 

الظاهر أن مشهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وهو يقاد مكبلا يتكرر مع الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو بصرف النظر عن الاختلاف في بعض الجزئيات.

ويبدو أن ’’عملية الرمح الجنوبي‘‘ التي أطلقتها واشنطن تحت عنوان “إخراج إرهابيي المخدرات من النصف الغربي للكرة الأرضية”، حسب تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد انتهى فصلُها الأول باختطاف مادورو واقتياده إلى ’’المحاكمة‘‘؛ وقد أتى الآن دور الدعاية والآلة الإعلامية.

ويلزم التذكير هنا، أن الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز كان قد أحدث مشروع تأميم واسع لاسترجاع موارد البلاد، بدأ هذا المشروع بقانون سنة 2001 الذي بمقتضاه أضحى لزاما على جميع شركات النفط الأجنبية أن تتحول إلى شركات مختلطة تمتلك فيها ’’شركة النفط الوطنية الفنزويلية‘‘ حصة لا تقل عن 60% من الرأسمال. وفي سنة 2007 اتخذ شافيز إجراءات تنفيذية لتنزيل مشروعه الوطني، فرفضت عدة شركات أجنبية الامتثال له، ما أدى إلى انسحاب بعضها خارج فنزويلا، ومن بينها شركتا ’’إكسون موبيل‘‘ و’’كونوكو فيليبس‘‘ الأمريكيتين.

ويلزم التذكير كذلك، أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطات نفطية مؤكدة على مستوى العالم، ولها موقع جغرافي استراتيجي يجعل منها منصة أساسية لأي مشروع يروم التحكم في المنطقة.

وتذكيرٌ ثالث لا بدّ منه، وهو ما قاله ترامب سنة 2023: “عندما غادرت، كانت فنزويلا على وشك الانهيار، كنا سنستولي عليها، وسنحصل على كل هذا النفط…”، وقد كرر كلاما مشابها في الأيام الأخيرة على الملأ من باب التأكيد والتوضيح. أما ما صرح به  من دفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وما فاجأ به المعارَضة الفنزويلية عندما وصف المعارِضة الفنزويلية كورينا ماتشادو بأنه ’’من الصعب عليها أن تصبح زعيمة وأنها لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل فنزويلا…‘‘ فهذا الكلام وغيره ما هو إلا ضربٌ من الخداع السياسي ولعبٌ على المتناقضات وخلْق بيئـة مطواع، ومُطبعة مع الحدث.

فالنوايا الحقيقية إذن لا تحتاج إلى بيان أكثر مما قيل، ومن يعتقد شيئًا آخر فقد يُبتلى بالسذاجة، وأما التحجُّج بمادورو ونظامه السياسي فلا يجوز استعماله كمبرّر، فالرجل لم يخرج عن عادة كثيرٍ من الحكام والرؤساء  في هذا الزمان: يبني في ناحية ويقوض في أخرى…

تريد واشنطن إزاحة مادورو وتنصيب شخص موال لها .. لكن عين واشنطن لا تقف عند حدود كاراكاس، بل تنظر إلى عواصم أمريكية أخرى حيث السلطة هناك بأيدي أشخاص مزعجين للبيت الأبيض، وإزعاجهم نابعٌ من كونهم يسعون إلى نهج سياسة وطنية تتسم بالاستقلالية والخروج عن مقتضيات المشروع الأمريكي المرسوم لأمريكا الجنوبية.

من الرئيس البرازيلي إغناسيو لولا دا سيلفا إلى الرئيس الكولمبي غوستافو بيترو مرورا برئيسة المكسيك كلوديا شينباوم ورئيس نيكارغوا دانييل أورتيغا؛ كل هؤلاء هم أشخاص غير مرغوب فيهم حسب أعراف السياسية الخارجية الأمريكية وأدبياتها ومصالحها، ومن ثم، تسعى الإدارة الأمريكية بشتى الوسائل إلى تغييرهم وإحلال أشخاص تتوفر فيهم شروط الموالاة والخضوع والمسايرة، كالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي وباقي الرؤساء الآخرين في الشيلي والبيرو وغواتيمالا والسلفادور…

هذه الأهداف لو تحقّقت، سينفتح على إثرها الطريق نحو القضاء على ما تبقى من التيار الاشتراكي في أمريكا الجنوبية بصفة عامة وفي كوبا على وجه الخصوص لتصبح المنطقة كلها تدار من واشنطن وفق توجهاتها ومصالحها الاقتصادية.

إن الضغوط العسكرية، وإثارة المشاكل والأزمات الداخلية، واستعمال الدولار والعقوبات والآليات المالية، هي الأدوات الرئيسية التي تستعملها واشنطن لتحقيق أهدافها. وهنا، يجب التذكير، أن الدين العام في أمريكا الجنوبية ودول بحر الكاريبي قد وصل إلى 5,8 تريليون دولار أي ما يقارب 117% من الناتج المحلي الخام لكل المنطقة وما يقارب 140% من الناتج المحلي الخام للدول الخمس الكبرى في أمريكا الجنوبية.

تُعتبر فنزويلا  الميدان التطبيقي الأول والملائم لإحياء إعلان “مبدأ مونرو” الصادر سنة 1823 وفق تحديثٍ موسّع تضمنه تقرير “استراتيجية الأمن القومي الأمريكي” الذي نشرته الإدارة الأمريكية في الخامس من شهر دجنبر 2025.

تضمّن التقرير، الذي لا يتعدى ثلاثين صفحة، ملحقا سمي بــ “ملحق ترامب”، ينصبّ على “مبدأ مونرو” بالإضافة والتوسيع، يُسمح بموجبه للولايات المتحدة الأمريكية أن تمنع أي تدخل روسي أو صيني في هذه المنطقة من العالم التي يذكرها التقرير باسم  “النصف الغربي للكرة الأرضية” بعد أن كان المنع في النسخة الأولى من إعلان مونرو  لسنة 1823 يقتصر على الدول الاستعمارية الأوروبية. ومعنى ذلك، أن النصف الغربي للكرة الأرضية Western Hemisphere بات منطقة نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري لواشنطن لا يسمح لغيرها باختراقـــه.

فنزويلا كانت قد فتحت مجالاتها الاقتصادية والدفاعية للصين وروسيا وإيران، وتسير البرازيل في الاتجاه نفسه وربما بخطوات أوسع باعتبارها عضوا أساسيا من أعضاء منظمة البريكس، وعلى النهج ذاته تسير كل من كولمبيا والمكسيك، واحتمالٌ واردٌ أن تنضم دول أخرى إلى المَسير… والوضع الجاري لا يرضي الولايات المتحدة ولا يتفق مع مصالحها الاستراتيجية، وفي هذا السياق يأتي تدخلها القوي والسريع والذي رأينا حلقته الأولى مع الرئيس مادورو وهو مكبل في انتظار ’’محاكمته‘‘، وهو تدخّلٌ يضر مصالح القوى الكبرى وحلفائها في المنطقة… وبالتالي، هل ستقبل الصين وروسيا ومعهما الاتحاد الأوروبي بـ “ملحق ترامب” أم أن الأمر لا يتعدى كونه تقسيما لمناطق النفوذ وإعادة توزيع للأدوار….؟

 

X