كيف تنقل دور النشر في الغرب الكاتب من ضيق النخبوية إلى رحابة الشهرة العامة وتتعامل معه كمشروع طويل الأمد؟

منظومة متكاملة لصناعة الرموز الثقافية

لا تعمل دور النشر الكبرى في الغرب بوصفها مجرد مطابع أو قنوات توزيع فحسب، بل هي مختبرات حقيقية ومنظومة متكاملة لصناعة الرموز الثقافية. فالسؤال عما إذا كانت هذه الدور تصنع نجوم الكتابة لا يمكن الإجابة عنه بنفي أو تبسيط، إذ إن الإجابة الأقرب إلى الدقة هي: نعم، لكنها صناعة لا تقوم على البروباغندا السطحية أو الضربة الإعلامية العابرة، بل على إستراتيجية بعيدة المدى تراهن على الاستمرارية وتراكم الحضور.

تحويل المؤلف إلى مشروع ثقافي

لا يخلق الناشر الغربي كاتبا من العدم، بل يبحث عن تلك ’’النغمة‘‘ الفريدة القابلة للنمو والاستمرار، ومن ثم تحويل صاحبها من مجرد مؤلف لعمل ناجح، إلى مشروع ثقافي وسوقي عابر للقارات. هذه العملية تهدف في جوهرها إلى نقل الكاتب من ضيق النخبوية إلى رحابة الشهرة العامة، عبر إدارة دقيقة للتوازن الحرج بين القيمة الأدبية الرصينة ومتطلبات السوق الاستهلاكية.

صناعة الكُتاب النجوم

تتحول صناعة النجم إلى عملية استثمارية في ’’الصوت‘‘ لا في ’’النص‘‘ المنفرد. فالمؤسسات العريقة مثل ’’بينغوين راندوم هاوس‘‘ أو ’’فارار ستراوس وجيرو‘‘ لا تنتظر المخطوطات لتصل إلى مكاتبها بمحض الصدفة، بل يمتلك محرروها حواس استشعارية حادة تطارد المواهب في مهدها. إنهم يراقبون من كثب ورش الكتابة الإبداعية في الجامعات المرموقة، ويفتشون في ثنايا المجلات الأدبية الرصينة، ويتتبعون الفائزين بالجوائز الجامعية والشبابية.

رحلة الكتاب

تصل هذه الرحلة الإنتاجية إلى ذروتها عند محطة الجوائز الأدبية الكبرى، التي لا تعتبر مجرد تكريم معنوي، بل هي منصة إطلاق تعيد صياغة مستقبل الكاتب بالكامل. ففوز رواية بجائزة مثل ’’المان بوكر‘‘ يعني عمليا البدء في دورات طباعة ضخمة، وانطلاق قطار الترجمات إلى عشرات اللغات، وتدفق الدعوات للمهرجانات العالمية.

فجوة مع الواقع العربي

عند عقد مقارنة موجزة مع الواقع العربي، تظهر الفجوة العميقة في بنية العمل الثقافي، فبينما يظهر الناشر الغربي كشريك إستراتيجي يرافق الكاتب لسنوات. يقتصر دور الناشر العربي في أغلب الأحيان على كونه ’’صاحب مطبعة‘‘ وموزعا محدود الأثر.

الصناعة وجوهر الأدب

يبرز تساؤل ملحّ:

   هل تفسد هذه ’’الصناعة‘‘ جوهر الأدب؟

  • الإجابة تكمن في قدرة النظام الغربي على التمييز بين ’’الكاتب الجاد‘‘ و’’الكاتب السوقي الخالص‘‘، مع محاولة الجمع بينهما أحيانا في نموذج واحد يرضي النقد والمبيعات معا.
  • إن الخطر الحقيقي لا يكمن في عملية الصناعة ذاتها، بل في احتمالية تحويل الكاتب إلى ’’سلعة‘‘ مجردة من أي مشروع فكري.

(المصدر: الجزيرة)

X