ظلت حسابات القوى الأجنبية المتنافسة ومخلفاتها مؤثرة على الأوضاع الداخلية في دول منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر حتى ما بعد إعلان استقلالها

تعود النزعة الانفصالية التي يكابدها الصومال إلى إرث استعماري أرخى بظلاله على القرن الإفريقي ومحيط البحر الأحمر منذ القرن التاسع عشر.
ففي عام 1884 أنهت بريطانيا الوجود المصري في شمال الصومال، ثم مهّدت الطريق لإيطاليا لبسط سيطرتها على وسط البلاد وجنوبها.
وفي مطلع القرن العشرين كان الصومال مقسما إلى خمس كيانات: الصومال الفرنسي (جيبوتي)، والصومال البريطاني (أرض الصومال)، والصومال الإيطالي (بقية الصومال المعاصر)، وإقليم أوغادين الصومالي الذي ضمته إثيوبيا، بالإضافة إلى مناطق صومالية ألحقت بشمال شرق كينيا وفق ترتيبات بريطانية.
ظلت حسابات القوى الأجنبية المتنافسة ومخلفاتها مؤثرة على الأوضاع الداخلية في دول منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر حتى ما بعد إعلان استقلالها.
في عام 1960 توحّد الصومال البريطاني مع الصومال الإيطالي بعد الإعلان عن استقلالهما. وقد اكتمل ذلك في سياق فكرة طموحة عُبّر عنها باسم: ’’الصومال الكبير‘‘.
لكن مشروع الوحدة سيصطدم بعائق التقسيمات الاستعمارية القديمة التي استمرت كألغام في الطريق…
ففي عام 1977، انهزم الصومال في الحرب التي خاضها ضد إثيوبيا لاستعادة إقليم أوغادين، فكان ذلك إيذانا بإغلاق مشروع الصومال الكبير، بل فتح بابًا سيقود البلاد نحو المجهول.
وفي عام 1978 قاد مجموعة من الضباط العسكريين محاولة انقلاب ضد الرئيس الصومالي سياد بري انتهت بالفشل وبإعدام قادتها وفرار آخرين أسسوا لاحقا معارضة مسلحة.
منذ ذلك الحين، ستسود الفوضى والتمردات المسلحة، مدفوعة بتدخلات خارجية وجدت قابلية عند المكونات الصومالية بسبب فشل النظام الصومالي حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
في عام 1991 أضحى واضحا ضعف النظام وتفكك الدولة المركزية. وفي ظل هذا الوضع، نشأ الإعلان من جانب واحد عن انفصال إقليم الصومال البريطاني تحت اسم ’’أرض الصومال‘‘، ليستمر التدخل الأجنبي، لكن هذه المرة، بأسماء ولاعبين جدد.
وفي نونبر 2004 تبنى الصومال الميثاق الاتحادي الانتقالي سيُتوج عام 2012 باعتماد دستور جديد ينص على الشكل الفدرالي للدولة. غير أن الأزمة العميقة والمشاكل السياسية الموروثة كانت أكبر من أن تجد حلا في الآلية الدستورية.
في 26 دجنبر 2025، أعلن رئيس الصومال الانفصالي (أرض الصومال) عبد الرحمن عرو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، توقيع اتفاقية اعتراف متبادل…
وبهذا الحدث تنفتح مرحلة خطيرة في منطقة القرن الإفريقي ومحيط البحر الأحمر، قد تحدث فيها تغييرات جيوسياسية عميقة إذا كتب لها الاستمرار ولم تعترضها القوى الإقليمية للمنطقة.
(الفهرس)