سعيد منصفي التمسماني

عندما أسمع دعوات موجهة للشعوب العربية والإسلامية ليهبوا  لنصرة إخوانهم في فلسطين أو في أي مكان آخر، أتذكر قصة ’’عنترة‘‘ عندما قال له والده في حرب داحس والغبراء: ((ويلك عنترة كرَّ))، فأجابه العبد الأسود: ((إن العبد لا يحسن الكرَّ والفرَّ)).

كان الجواب منطقيا، لأن شدّاد والد عنترة كان إلى ذلك الحين يرفض الاعتراف بابنه الأسود، فلما قال له ((كرّ وأنت حر))، عند ذلك، يحكي الرواة، أن عنترة انقضّ على الأعداء غير مبال بالموت، فردهم عن قومــه!!!

ويروي لنا المؤخرون أخبارا كثيرة عن العبيد وعن ثوراتهم، منها: قصة المصارعين Gladiators في عهد الرومان سنة 71 ق.م تقريبا…

يقولون، إن العبيد كانوا يعامَلون  كبضاعة، يُباعون ويُشترون كالماشية من طرف ’’السادة‘‘، وكانوا يُعرضون في الحلبة ليتصارعوا مع الحيوانات المتوحشة إشباعا لنزوات سادتهم وترويجا لسوق النخاسة التي كانت تدر أرباحا كبيرة على أصحابها.

وفي يوم من الأيام ثار العبيد على هذ الوضع بقيادة عبدٍ اسمه ’’سبارتكوس‘‘  Spartakos فحاربوا بضراوة، لكن السلطة الرومانية استطاعت قمع ثورتهم بقوة لعلمها المسبق بما كان يُخطّط له العبيــد!!

ثم جاءت شريعة عيسى لتحريم العبودية ومن بعدها شريعة محمد، وهدفهما واحدٌ: ’’تحرير الإنسان‘‘ .. لكن الإنسان أبى أن يتحرّر أخوه الإنسان، واستهوى إخضاعَه وتجريدَه من إرادته، واستمرت العبودية وإن بأشكال أخرى وتحت أسماء متعددة.

فظهر في العصور الوسطى ’’عبيد الأرض‘‘ Serfs، وهو لقب كان يعرف به الفلاحون المقيَّدون بالأرض التي يمتلكها ’’النبيــل‘‘، أي أنهم كانوا يُحسَبون ضمن ما تحتويه الأرض أو إقطاعية النبيل من أملاك، من حيوان وجداول وأحراش، ولم يكونوا مواطنين أحرارا بل مجرد عبيد مقيدين بالأرض التي يعملون فيها لفائدة النبيل، يسلمون له حصصا منتظمة مما تنتجه الأرض من ثمار وما يجود به الحيوان من لحم وحليب وصوف وجلود للدبغ في إطار نظام إقطاعي يرثه الأبناء عن الآباء…

هل تغيّرت أحوال ’’عبيد الأرض‘‘ منذ ذلك الحين سواء في أوروبا، أو في أماكن أخرى تحت مسميات مختلفة؟؟ أم أن الإقطاع صار ’’وطنا‘‘ وأن الذي تغيّر هو الاسم والشكل وعقْد الملكية ليس إلا…؟؟

إن العبد فاقدٌ للإرادة، لا يعمل لحسابه وإنما لحساب سيده، وحركته مقيدة محصورة في نطاق محدود لا يتعداه، ومن كانت هذه حاله فإنه لا يُستنصر، وكيف يُستنصر من كان أحوج الناس إلى نصير؟ وقصاراه أن يتعاطف مع المظلوم، فذلك أقصى ما يُسمح له به…

X