حرية الصحافة في العالم تنخفض إلى أدنى مستوى منذ 25 سنة

نشرت منظمة ’’مراسلون بلا حدود‘‘ (RSF) تقريرا حول «التصنيف العالمي لحرية الصحافة» في الثالث من مايو 2026، وهو التاريخ الذي تزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يُخلَّد في هذا الموعد من كل سنة.
حسب التقرير، فإن ’’حرية الصحافة‘‘ انحدرت إلى أدنى مستوى منذ خمسة وعشرين سنة، حيث أضحت في أكثر من نصف دول العالم تواجه وضعاً «صعباً» أو «خطيرا جدا».
يشير التقرير إلى أن من بين المؤشرات الخمسة التي يقاس على أساسها الوضع العام لحرية الصحافة في العالم (السياسي، القانوني، الاقتصادي، الاجتماعي، أمن الصحفيين)، فإن المؤشر المتعلق بالإطار القانوني هو المعنيّ بالتراجع خلال السنة الماضية بنسبة أكبر مقارنة بباقي المؤشرات. ويُعزى ذلك إلى نمط التشريعات المتميزة بفرض مزيد من القيود على حرية الصحافة والصادرة عن عدد كبير من الدول بما فيها تلك المصنفة ضمن الدول الديمقراطية.
أكدت المنظمة على أن الصحفيين لا يزالون يتعرضون للقتل أو السجن بسبب عملهم، وأن أساليب أخرى تستعمل للتضييق على النشاط الصحفي، منها ما يرتبط برواج خطاب سياسي معادٍ للصحافة والصحفيين، ومنها ما له صلة بالضغوط المالية الممارسة على المنظومات الصحفية المستقلة، بالإضافة إلى العامل التشريعي الذي يُستغل في عدة دول للتضييق على المجال الصحفي.
في بعض البلدان، يكْمُن تراجع حرية الصحافة في اندلاع النزاعات المسلحة والصراعات الداخلية، وذلك مثلا هو حال العراق (المرتبة 162)والسودان (161) واليمن (164)؛ وربما كانت دولة النيجر أبرز مثال على هذه الحالة، حيث تسودها أوضاع مضطربة بسبب انتشار الجماعات المسلحة وحيث تراجعت النيجر إلى المرتبة 120 في سنة 2026، أي بنسبة (37ـ). وعلى العموم، فإن هذه هي السمة الغالبة على منطقة الساحل الأفريقي.
وفي حالات أخرى، يشير التقرير إلى أن الأوضاع المتعلقة بالصحافة والإعلام تلازم مكانها بسبب طبيعة الأنظمة السياسية الاستبدادية؛ مثلما هو الحال مثلا في الصين (المرتبة 178) وكوريا الشمالية (179) وروسيا (172)…
واحتلت إفريقيا الجنوبية المركز الأول على المستوى الأفريقي (21 عالميا)، متبوعة بناميبيا (23 عالميا)، بينما جاءت في المراكز المتأخرة كل من إثيوبيا (148 عالميا) وجيبوتي (167 عالميا) وإريتريا (المركز الأخير عالميا 180) حيث يقضي الصحفي داويت إيساك 25 سنة في السجن دون محاكمة.
وفي الشرق الأوسط، تحدثت المنظمة عن تراجع تصنيف المملكة العربية السعودية إلى المرتبة 176 أي بنسبة (14ـ)، وتعزو هذا التراجع بشكل أساسي إلى إعدام الصحفي تركي الجاسر بعد قضائه سبع سنوات في السجن وتعرضه للتعذيب بتهمة إدارة حساب مجهول على مواقع التواصل الاجتماعي، كان يعرض فيه منشورات حول انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث في البلاد.
وبالنسبة لباقي دول الخليج، فقد جاءت قطر متقدمة في المركز 75، بعدها سلطنة عمان في المركز 127، ثم الكويت (136) والإمارات العربية (158) والبحرين (170).
وبالنسبة للدول العربية الأخرى، فقد احتلت سوريا المركز 141، متبوعة بالأردن (142) ثم مصر في المركز 169.
واحتلت موريطانيا المركز الأول بالنسبة لدول المغرب العربي، إذ صنفها التقرير في المرتبة 61 عالميا، وجاء المغرب في المركز الثاني بعد تصنيفه في المرتبة 105 عالميا، متبوعا بتونس (137) وليبيا (138) ثم الجزائر (145).
وقد استحسن المهتمون المغاربة تقدم المغرب بنسبة 15 مركزا في تصنيف حرية الصحافة مقارنة بسنة 2025، مؤكدين على ضرورة الاستمرار في مسار التقدم الذي يستلزم العمل بروح دستور 2011 الذي ينص على ضمان حرية التعبير.
وتعيش مهنة الصحافة في المغرب على إيقاع مجموعة من المطالب تدعو إلى إنهاء التضييق على الصحفيين بواسطة المتابعات القضائية، وبعدم إحالة بعض المقتضيات المنظمة للصحافة والنشر على القانون الجنائي، والعمل على إعادة النظر في كيفية مراجعة مشاريع قوانين الصحافة والنشر ومن ضمنها مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة…
وسلط التقرير الضوء على تصيف إسرائيل في المركز 116 عالميا بتراجع بنسبة 4 مراكز. وتطرق إلى الإبادة الجماعية التي ترتكبها حكومة بنيامين نتنياهو في حق الفلسطينيين، والتي أسفرت منذ أكتوبر 2023 عن مقتل أكثر من 220 صحفياً في غزة على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، من بينهم 70 صحفيا قتلوا أثناء أداء مهامهم.
أما في الولايات المتحدة، فقد وصف التقرير كيف حوّل دونالد ترامب الهجمات ضد الصحافة والصحفيين إلى ممارسة منهجية، مما أدى إلى تراجع واشنطن إلى المرتبة 64 عالميا (بعد موريطانيا)، أي بسبع مراتب مقارنة بسنة 2025. ويعكس اعتقال الصحفي السلفادوري ماريو جيفارا، الذي أعقبه ترحيله، تدهور أوضاع أمن الصحفيين، الذين طالهم القمع العنيف في عدة مناسبات من قبل الشرطة الأمريكية.
وعلى مستوى القارة الأمريكية، يشير التقرير إلى أنه بعد مرور خمسة وعشرين سنة على هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، أصبح توسيع نطاق آلية ’’سرية الدفاع والأمن القومي‘‘ وسيلة لمنع تغطية القضايا ذات الاهتمام العام في العديد من البلدان. وقد استُغل هذا الاتجاه من طرف الأنظمة الاستبدادية، وامتد ليشمل الدول الديمقراطية التي أساءت استخدام القوانين ضد الصحفيين بذريعة مكافحة الإرهاب.
وقد سارت الأرجنتين بقيادة رئيسها خافيير ميلي على منوال ترامب في تعامله مع الصحافة ووسائل الإعلام، وتراجع تصنيفها إلى المركز 98 بنسبة (11ـ). واتبع نايب بوكيلي رئيس السلفادور النهج ذاته، لتحتل بلاده المركز 143 عالميا بتراجع نسبته (8ـ)…
وعلى العموم، يغطي تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» المشهد العام لحرية الصحافة على مستوى العالم، ويعكس وضعه من عدة جوانب، ويعد مصدرا مهما للباحثين والمهتمين بشؤون الصحافة والإعلام، لكن تصنيفه يظل مجرد محاولة استطلاعية إذا لم تصاحَب بدراسات عميقة عن الواقع الصحفي والإعلامي المعقد والمركب في سياق كل تجربة على حدة.
(الفهرس)