حديث الجمعة مع مصطفى محمود


حديث الجمعة مع مصطفى محمود
والمؤمنون أهل حلم وصبر وتواضع وتسامح وحياء.
﴿يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (الفرقان 36)
تعرفهم بطول الصمت وتواصل الفكر وخفض الصوت والبعد عن الهرج والصخب والتلاعن.
وتعرفهم بالتأني والإتقان والإحسان فيما يعهد إليهم من أعمال، وتعرفهم بالدماثة ولين الطبع والصدق والوفاء والاعتدال في الأخذ من كل شيء.
وإذا كان لا بد من اختيار صفة واحدة جامعة لطابع المؤمن لقلت هي:
السكينة .. فالسكينة هي الصفة المفردة التي تدل على أن الإنسان استطاع أن يسود مملكته الداخلية ويحكمها ويسوسها.
وهي الصفة المفردة التي تدل على انسجام عناصر النفس والتوافق بين متناقضاتها وانقيادها في خضوع وسلاسة لصاحبها وهي أمر لا يوهب إلا لمؤمن.
وأنت تقرأ هذه السكينة في هدوء صفحة الوجه .. ليس هدوء السطح بل هدوء العمق .. هدوء الباطن .. وليس هدوء الخواء ولا سكون البلادة، وإنما هدوء التركيز والصفاء واجتماع الهمة ووضوح الرؤية .. وكأنما الذي تراه أمامك يضم البحر بين جنبيه.
والبحر ساكن ولكنه جيّاش يطرح اللآلئ والأصداف والمرجين من أعماقهلحظة بعد لحظة، فهو غني الغنى اللانهائي.
وهذه خاصية المؤمن.. ذلك الهدوء المشع الثرى.. لماذا..؟
لأن علاقة المؤمن بما حوله علاقة متميزة مختلفة.. علاقته بالأمس والغد وعلاقته بالموت.. وعلاقته بالناس.. وعلاقته بعمله ونظرته للأخلاق.
فالأخلاق بالمعنى المادي الواقعي هي أن تشبع رغباتك بما لا يتعارض مع الآخرين في إشباع رغباتهم هم أيضا، فهي مفهوم مادي اجتماعي بالدرجة الأولى وهدفها حسن توزيع اللذات.
أما الأخلاق بالمعنى الديني –فهي بالعكس- أن تقمع رغباتك وتخضع نفسك وتخالف هواك وتحكم شهواتك لتتحقق برتبتك ومنزلتك العظيمة كخليفة عن الله ووارث للكون المسخر من أجلك.. فأنت لا تستحق هذه الخلافة والسيادة على العالم، إلا إذا استطعت أولا أن تسود نفسك وتحكم مملكتك الداخلية.. ومفهوم الأخلاق هنا فردي، وهدفه بلوغ الفرد درجة كماله وإن كانت هناك ثمرة اجتماعية يجنيها ذلك الفرد فإنها تأتي بالتبعية.
فالمجتمع الذي يتألف من مثل هؤلاء الأفراد لا بد أن يسوده الوئام والسلام والمحبة.
والأخلاق بهذا المعنى هي خروج من عبودية النفس إلى مرتبة عليا هي الجمعية مع الرب.. خروج من الجزء إلى الكل.. من النسبي إلى المطلق، من الرغبة في شيء مادي إلى الرغبة في حضرة الإله، حيث يجب أن تتطلع كل العيون.. وهذا لايمكن إلا إذا تم تصحيح وتكميل بصر العين، فأصبحت ترى كل شيء بحقيقة حجمه ونسبته لا تحجبها لذة دنيوية عن رؤية الكمالات الإلهية.
ولهذا تبدأ الأخلاق الدينية بمجاهدة الشهوات حتى تحكمها وتخضعها ولا تبدأ بالتسليم لها وبإشباعها كما في الأخلاق الشائعة، فهي ليست دعوة إلى حسن توزيع اللذات، وإنما هي دعوة إلى الخروج من أسر الملذات، وهكذا تفترق النظرتان تماما، وتؤدي كل منهما إلى إنسان مختلف.
فالإنسان المادي يستهدف النزوة واللذة الفورية والمقابل المادي العاجل ’’لأنه لا يعتقد في وجود شيء وراء الحياة الدنيوية‘‘، وهو لهذا يجري وراء ’’اللحظة‘‘ ويلهث وراء ’’الآن‘‘، ولكن اللحظة متفلتة و ’’الآن‘‘ هارب والفوت والحسرة تلاحقانه في أعقاب كل خطوة يخطوها، وهو متروك دائما وفي حلقه غصة وفي قلبه حسرة وكلما أشبع شهوته ازدادت جوعا. وهو يراهن كل يوم بلا ضمان وبلا رصيد فهو محكوم عليه بالموت لا يعرف متى وكيف وأين، فهو يعيش في قلق وتوتر مشتت القلب متوزع الهمة بين الرغبات لا يعرف للسكينة طعما حتى يدهمه الموت رغم أنفه.
أما الإنسان المؤمن فهو تركيب نفسي مختلف وأخلاقية مختلفة، فهو يرى أن اللذات الدنيوية زائلة، وأنها لا تساوي شيئا، وأنها مجرد امتحان إلى منازل ودرجات وراءها وأن الدنيا مجرد عبور إلى تلك المنازل والدرجات الباقية، وأن الدنيا كالخيال وأن الله هو الضمان الوحيد في رحلة الدنيا والآخرة، وأنه لا حاكم ولا مقدر سواه.. لو اجتمع الناس على أن يضروك لما استطاعوا أن يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، وإن اجتمعوا على أن ينفعوك لما استطاعوا أن ينفعوك إلا بشيء ’’كتبه الله لك‘‘.
لذلك فإن المؤمن لا يفرح لكسب ولا ييأس على خسران، وإذا دهمه ما يكره، قال في نفسه: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم، وأنتم لا تعلمون﴾ (البقرة 216).
والله عنده حكيم عادل رحيم لا يقضي بالشر إلا بسبب ولحكمة ولفائدة أو استحقاق عادل.
وهو يقاتل ثابت القدم أمام الموت، وهو يتغنى:
﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ (النساء 78)
﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ (الجمعة 8)
﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا﴾ (آل عمران 145)
وهو لا يحسد أحدا، ولا يغبط أحدا، بل هو مشفق على الناس مما هم فيه من غفلة يقول له قلبه:
﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ (آل عمران196/197)
﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾ (المؤمنون 55/56)
﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ (آل عمران 178).
﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾ (الحديد 22/23)
﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾
وثمرة تلك الآيات عند المؤمن بها هي السكينة والهدوء النفسي وتطامن البال والثقة في حكمة الله وعدله ورحمته وتصريفه.
ومثل هذا المؤمن كلما ترك شهوة من شهواته، وجد عوضا لها حلاوة في قلبه، مما يلقي من التحرر الداخلي من أغلال نفسه ومما يجد من النور في بصيرته.
وهو يترك السعي إلى الحظوظ للسعي إلى الحقوق ويترك الدعاوى إلى الأوامر.
ويترك أهواء النفس إلى وجه الحق.
ويكف عن التلهف والحركة وراء الأغراض والمناصب والرياسات والمغانم ويسكن إلى جنب الله.. وهل بعد الله مغنم؟
وهو مدرك بأن الجمعية مع الله لا يدانيها كسب، فإلى جانب اللانهاية تصبح جمعية الأعداد صفرا.
ومن صفات هذا المؤمن العامل لوجه الله أنه ناهض بالهمة على الدوام لا يفتر ولا يكسل ولا يتواكل، بينما يفتر من يعمل للأجر ويفتر من يعمل للخوف ’’يخدع الأول نفسه بالاستكفاء ويخدع الثاني نفسه بالتمني‘‘. أما القاصد وجه ربه فإنه لا يفتر لأنه لم يربط جهاده بأجر، وهو لا يكسل متواكلا على مغفرة لأنه لا يتحرك بالخوف من عقاب وإنما هو عبد عاشق محب متطوع يعمل وهو يغني لأن العمل عنده سعادة. ولهذا لا تجده أبدا متبرما ولا متسخطا وإنما هو دائما طلق الوجه مشرق البسمة متفائل حمّاد لربه في جميع الحالات لا يسب الدهر ولا ينسب لربه نقصا ولا قصورا.
وهذه التركيبة النفسية النادرة هي ثمرة الإيمان بالقرآن وهي ثمرة التوحيد.. والتوحيد يجمع عناصر النفس ويوحد اتجاه المشاعر نحو مصدر واحد للتلقي فيؤدي بذلك إلى أثر تركيبي بنائي في الشخصية، بعكس تعدد الآلهة وتعدد مصادر الخوف والنفع والضرر فإنه يؤدي إلى توزع المشاعر وانقسام النفس وتشتت الانتباه إلى عديد من الجهات، ويؤدي بذلك إلى تفكيك رباط الشخصية.
والقارئ للقرآن الكريم يخرج بعلم نفس قرآني متميز بديع ومنفرد في تربيته للمسلم.
وليس عجيبا أن القرآن أقام حضارة وصنع تاريخا.. فإنه قبل ذلك قد أقام إنسانا وربى نفسا بديعة سوية متفردة في تكاملها وأشرق عليها بسكينة لا مثيلا لها.
ومثل تلك التربية الفذة تشهد للقرآن بأنه خرج من المشكاة الإلهية.
فلا مُربّ مثل الربّ.
من أحاديث الجمعة: