الشاعر والروائي الإسباني ’’الأندلسي‘‘ أنطونيو غالا الذي غادرنا يوم السبت 28 مايو.. كان مُحباً للتراث العربي، معتبرا نفسه أنه ينتمي للثقافة العربية، ملتزما التزام الكبار خلال مسيرته الأدبية والإبداعية، ما جعله يدفع ضريبة باهظة الثمن بسبب توجهاته ومواقفه

كانت الثقافة العربيّة في الأندلس الهواء الذي يتنفّسُه طوال حياته

بقلم: د. محمّد محمّد خطابي**

رابط المصدر: موقع السؤال الآن

     عن عمر يتجاوز الثانية والتسعين من عمره توفي بقرطبة يوم السبت الفارط 28 من شهر يونيو 2023 الكاتب والشاعر والروائي الاسباني (الأندلسي) أنطونيو غالا، الذي أثرى المكتبة الاسبانية والعالم الناطق بلغة سيرفانتيس بالعديد من المؤلفات في مختلف الأغراض شعراً ونثراً، وعُني عناية خاصة بالتراث العربي الذي تألق في الأندلس على امتداد ثماني قرناً ونيّف، كان أنطونيو غالا غزير الإنتاج ومن أبرز الكتاّب الاسبان في القرن العشرين المنصرم وفى الرّبع الأوّل من القرن الواحد والعشرين. من أشهر أعماله التاريخية والروائية والدرامية حول الوجود العربي والأمازيغي في الأندلس كتابه: (المخطوط القرمزي) عن سيرة آخر ملوك الأندلس أبي عبد الله الصغير، وكتابه: (غرناطة بني نصر)، وله كتاب يحمل عنوان: (الاندلسيّ)، وكتاب (قرطبة غالا). وهوحاصل على العديد من الجوائز الأدبية المرموقة في بلده اسبانيا وخارجها.

    يقول الكاتب والناقد الإسباني خوسيه إنفانتي: «إن نوعية الأدب الملتزم الذي كان يكتبه الروائي والشاعر الإسباني الأندلسي الراحل المعروف أنطونيو غالا يجعله ينأى عن أي تكريم أو عن أي جائزة أدبية مرموقة رسمية في إسبانيا منذ سنوات عديدة خلت، باستثناء جائزة «بلانيتا» التي حصل عليها عن روايته «المخطوط القرمزي»، التي تدور حول آخر ملوك بني نصر في غرناطة أبي عبد الله الصغير، ومعروف أن اختيار اللون القرمزي عنواناً لهذه الرواية يرمز به غالا إلى الوثائق، والورق المُهرق، والقراطيس التي كانت تُستعمل في بلاطات قصور بني نصر في مدينة غرناطة، وعلى هذا الصنف من المخطوطات كتب الملك أبو عبد الله الصغير مذكراته ويومياته، ومن ثم كان هذا العنوان الذي أراد غالا به أن يحتفظ أو أن يبرز في روايته اسمَه العربي القديم، بعد اطلاعه على هذه المخطوطات والمراجع والمظان الأخرى التي لها صلة بالحقبة التاريخية التي تدور فيها أحداث هذه الرواية، إثر سقوط آخر معاقل الإسلام في الأندلس وهي غرناطة عام 1492  على يد  الملكيْن  الكاثوليكييْن الإسبانييْن فرناندو و إيزابيل..

الالتزام في الأدب

   يشير الناقد خوسّيه إنفانتي كذلك في ذات الاتجاه: أن «الالتزام  الروحي والمعنوي والابداعي في الأدب على طريقة كبار الكتاب الرّوس قد تكون ضريبته باهظة الثمن، فالكاتب أنطونيو غالا الذي حصل على العديد من الجوائز داخل بلاده إسبانيا وخارجها، يبين لنا أن هناك تناقضاً واضحاً، ففي الوقت الذي كان يحظى فيه بشهرة واسعة بين القراء في مختلف البلدان الناطقة باللغة الإسبانية، نراهم يحرمونه من أي جوائز كبرى أدبية رسمية في بلده إسبانيا، مصداقاً للقول المشهورلا كرامة لنبي بين قومه، فقد إنحاز غالا سياسياً لليسار، خلال الانتقال الديمقراطي في إسبانيا، وطالب بالحُكم الذاتي لإقليم الأندلس، وهاجم إسرائيل بشدة، واتهِم بمعاداته للسامية، وكان رئيساً لجمعية الصداقة الإسبانية- العربية». وما فتئ الناقد الإسباني خوسيه إنفانتي إلى جانب كوكبة واسعة من الكتاب والنقاد والفنانين الإسبان الآخرين يطالبون بدون هوادة منح أنطونيو غالا جائزة أميرة أستورياس، أو سيرفانتيس أو الجائزة الوطنية للآداب، وهي أهم الجوائز الأدبية المرموقة التي تمنح في إسبانيا – لأنه جدير وأهل لها، بل إنه في نظر هؤلاء الكتاب أكثر استحقافاً من الكثيرين ممن حصلوا على هذه الجوائز الأدبية الكبرى قبله.

   كان غالا بالفعل من المُرشحين للحصول على أعلى الجوائز المهمة العالمية مثل نوبل في الآداب وما أشبه، بعد أن تجاوز التسعين عاماً  من عمره، ومع ذلك فهو لم يحظ بهذا التكريم. علماً أن هذا الكاتب معروف عنه شجاعته الأدبية في ما يتعلق بتاريخ الأندلس، حيث ما انفك يعيد توضيح بعض الحقائق التاريخية عن شبه الجزيرة الإيبيرية حول مدى تأثير الثقافة العربية ولغتها في الحضارة والنفسية الإسبانية على وجه الخصوص، وقال في العديد من المناسبات بصوتٍ جهوري وصريح: إنه بدون معرفة الثقافة الإسلامية لا يمكن فهم إسبانيا.

الثقافة الإسلامية في الاندلس : أغنى الثقافات الإنسانية

    كثيراً ما كان أنطونيو غالا يتعرّض في أحاديثه ومداخلاته، بل وفي كتبه ومؤلفاته شعراً ونثراً إلى هذه المواضيع التي تروقه وبشكل خاص الوجود العربي والإسلامي في إسبانيا، إنه يقول على سبيل المثال لا الحصر: «إذا سئلت ما هي الأندلس؟ لقلت إنها عصير غازي يساعد على هضم كل ما يُعطىَ لها حتى لو كان حجراً، فقد مرت من هنا مختلف الثقافات بكل معارفها وعلومها، إلا أن الثقافة العربية والإسلامية في إسبانيا كانت من أغنى الثقافات الإنسانية ثراءً وتنوعاً، وتألقاً وإشعاعاً التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية في الأندلس وبالتالي، هي بحق منارة علم وحضارة وعرفان قل نظيرها على امتداد تاريخها الطويل، فبعد الملوك الكاثوليك جاءت محاكم التفتيش الفظيعة في أعقاب ما سُمي بـ«حروب الاسترداد»، التي كانت في الواقع حروباً للاستعباد والاستبداد، التي تركت جروحاً عميقة غائرة في الجسم الإسباني، هذه الجروح لم تلتئم بعدُ حتى اليوم، فإسبانيا ظلت هي ذَنَب أوروبا غير المسلوخ، هي أوروبا كذلك، ولكن بطريقة أخرى، فهناك جبال البرانس التي توصد الأبواب بيننا وبين العالم الأوروبي، وهناك البحر الأبيض المتوسط من الأسفل، فإسبانيا وكأنها تشكل قدَراً جغرافياً، وهي ممر أوروبا نحو إفريقيا. ولإسبانيا اليوم سفاراتان كبيرتان ينبغي لها أن توليهما أهمية خاصة، وهما العالم العربي، والعالم الأمريكي، فقد أورثها التاريخ هذه المهمة الصعبة، وهي (أي إسبانيا) إذا لم تضطلع بهذا الدور فإنما تخون نفسَها وتخون شعبَها والتاريخ». ويشير غالا إلى: أن اللغة بالنسبة له أساسية، بل إنها هوَسه وقدَره، وهو يعمل محاطاً بالعديد من القواميس، فاللغة الإسبانية في نظره، لغتان أو فرعان اثنان، فرع ينحدر من اللغة اللاتينية، وفرع آخر ينحدر من اللغة العربية، لدرجة تبعث القشعريرة في الجسم”.

كلّ ما نفخر به نحن اليوم في إسبانيا جاءنا من الحضارة العربية

   كان أنطونيو غالا يقول: «إنه خلال قراءاته المتنوعة العديدة، أو عند كتابته لأي مؤلف جديد حول الحضارة العربية، فإنه يكتشف كل يوم حقائقَ مثيرة تدعو للتفكير، والتأمل والإعجاب حقاً. فأجمل المعاني وأروع الأشياء في إسبانيا جاءت من الحضارة العربية، بل إن أجمل المهن، وأغربها وأروعها، وكذلك ميادين تنظيم الإدارة والجيوش، والفلاحة والملاحة، والطب والاقتصاد، والعمارة، والبستنة والري، وتصنيف الألوان والأحجار الكريمة، والصناعات التقليدية، معدنية كانت أم فخارية، أم خشبية، فضلاً عن المهن المتواضعة، كل هذه الأشياء التي نفخر بها نحن اليوم في إسبانيا، تأتي وتنحدر من اللغة العربية وحضارتها، وهذا لم يحدث من باب الصدفة أو الاعتباط، فالعرب والأمازيغ أقاموا في هذه الديار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم، وطردهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فكيف يمكن للمرء أن يحارب نفسَه؟”.

الثقافة العربية كان هو الهواء الذي يتنفّسه

   وكان أنطونيو غالا قد أكّد قيد حياته ضمن استجوابٍات مُوفية، أجراها معه الباحث  الصديق الدكتورخالد سالم حيث سأله عن بداية اهتمامه بالتراث العربي الأندلسي فقال له: “أعتقد أن طفلاً يولد في مدينة أبيلا (شمال إسبانيا) ليس مثل طفل آخر يولد في قرطبة، فهو ليس أفضل ولا أسوأ، بل إنه بكل بساطة مختلف. والطفل الذي أدافع عنه طفل يشم هواءً معيناً، ويرى آثاراً خاصة، ويعيش في وسط مختلف، فأنا عندما يسألونني عن أثر الأندلس في شخصيتي لا أملك سوى الضحك، لأن الأندلس تتملكني، إنها الهواء الذي تنفستُ والحليب الذي رضعت في الصغر، فهي عميقة وقوية وصريحة في أعمالي وفي شخصيتي، إنها كل أعمالي، فروايتي التي تحمل عنوان «خلف الحديقة» تجري أحداثها في إشبيلية، وإشبيلية الحالية هي أكثر المدن أندلسيةً أو احتفاظاً بروحها الأندلسية، إنه الاهتمام بأجدادي بأصولي. وإن كان التطور قد أساء إلى الأندلس، فالتقدم يعني التخلف هناك. وقال غالا في هذا الحوار: «أشعر بأنني أنتمي إلى الثقافة العربية، وقد درستها بتأنٍ ورويةٍ لأكتشف أنها ثقافة مُدهشة، ومن منطلق هذا الإعجاب فإنني أشعر بأن اسم الأمويين محفور على جبهتي، وفي قلبي اسم العباسيين الإشبيليين، وفي يدي اسم بني نصر الغرناطيين. إنني أشعر بصلةٍ قويةٍ تجمعني بالأندلس، لهذا أردتُ أن يكون أول عملٍ روائي لي هو «المخطوط القرمزي»، وهي رواية تدور أحداثها في غرناطة العربية”.

كلّ إناء ينضح ويرشق بما فيه

   وعن سؤال عن الشعر وعن أقرب أجناس الأدب وأكثرها تأثيراً عليه، كان  غالا  قد أشار في الحوار نفسه: “إنني أؤمن بنظرية لأفلاطون، وهي أن الإبداع عندي هو الشعر، أي أنه كل شيء. إنه كأي سائلٍ يتكيف مع شكل الإناء الذي يحتويه. وهكذا نجد أبيات القصيدة شعراً، وهناك شعر روائي يتمثل في المسرح، وشعر قصصي في القصة، وشعر المقالة، وشعر الحياة، كيفية تأمل الحياة، الطريقة التي نرى بها مرورها وقدوم الموت، ففي حالة إدراك الناس للحقيقة، قد تكون القصيدة الشعرية من أكثر الفنون تأثيراً لأنها درب للمعرفة، فهي ليست شكلاً تعبيرياً كالمسرح، بل هي شكل معرفة ودراية، لهذا إن وصلت القراء تأثروا بها. بعد الشعر يأتي المسرح على أساس أنه مباشر، يصل بلا وسيط إلى قلب المتفرج، وتأثيره يختلف عن تأثير العمل الروائي، حيث يتصل القارئ بالكاتب، رغم المسافة التي تفصل بينهما عند القراءة. المسرح يتمتع بالظاهرة الجماعية ومشاركة الجمهور، وهو شأن القصيدة، إذ يفترض أنها تكتب لتنشد على الجمهور، وإن كانت هذه الخاصية قد سرقها المسرح من القصيدة، بيد أن المسرح لا يغير، فوظيفته هي التنبيه والإيقاظ. إنه يشير إلى موطن الداء، ولا يضع الدواء”.

وصل الاسلام إلى إسبانيا وهو يحمل معه ذلك العِطر الشرقيّ الفوّاح

   وكان الراحل غالا قد قال في حوار أدلى به لجريدة «لا خُورنادا» المكسيكية خلال وجودي لمدة ثلاث سنوات في هذا البلد الأزتيكي المترامي الأطراف أواخر التسعينيات من القرن الفارط : «إن الذي حدث في إسبانيا  مع الإسلام ليس اكتشافاً أو غزواً مثلما هو عليه الشأن في أمريكا، فالذي حدث هنا كان تجلياً ثقافيا واضحاً، إنه شيء يشبه الانبهار الذي يبعث على الإعجاب الذي يغشى المرء بعد كل معجزة، فقد وصل العرب والأمازيغ إلى إسبانيا، وهم يحملون معهم ذلك العِطر الشرقي العبق الفواح الذي كانت الأندلس تعرفه من قبل عن طريق الفينيقيين الذين قدِموا من لبنـــان، والإغريق الذين قدِموا من اليونان، وصل العرب بذلك العطر الشرقي والبيزنطي، ووجدوا في الأندلس ذلك العطر الروماني حيث نتج في ما بعد أو تفتق وانبثق عطر أو سحر جديد من جراء الاختلاط والتمازج والتجانس، والتنوع والتعدد، الذي بهر العالم المعروف في ذلك الأوان، فحقيقة التهجين والتوليد وتمازج الأجناس في إسبانيا هي حقيقة ماثلة، لا يمكن إنكارها، إن إسبانيا ابنة التوليد، إذ تمازجت على أرضها ثقافات الشرق والغرب، وبشكل خاص في حوض البحر المتوسط، فالعرب والأمازيغ لم يدخلوا شبه الجزيرة الإيبيرية بواسطة الحصان وحسب، بل إنهم دخلوها مستنيرين، مكتشفين، ناشرين لأضواء المعرفة وشعاع العلم والأدب والشعر والحِكمة، والعرفان والموسيقى والأنغام، وبهذا المعنى كان دخولهم إليها كشفاً أو اكتشافاً ثقافياً خالصاً».

   ويضيف غالا: “هنا يكمن الفرق بين الذي ينبغي لنا أن نحطه نصبَ أعيننا للإجابة عن ذلك التساؤل الدائم: لماذا لم تلتئم القروح ولم تندمل الجروح بعد في أمريكا اللاتينية حتى اليوم؟». ويتعجب غالا من إسبانيا اليوم التي «تقف في وجه كل ما هو أجنبي وتنبذه وتصده عِلماً أن الشعب الإسباني تجري في عروقه مختلف الدماء والسلالات، والأجناس والأعراق، ومع ذلك ما زالت إسبانيا تظهر بمظهرالعنصرية وتدعي أنها براء من أي دم أجنبي” .

ما الذي دعا اسبانيا إلى غزو العالم الجديد؟

   وكان غالا يشير  في سخرية مبطنة لاذعة إلى: «أن أيّ إسباني من مملكة قشتالة لم يكن في مقدوره أن يقوم بأيّ أعمال يدوية بارعة، كما لم يكن في إمكانه زراعة الأرض المترامية الأطراف أمامه بحنكة ومهارة، وهذا هو السبب الذي أدى أو أفضى الى اكتشاف أمريكا، أو ما سمي في ما بعد بالعالم الجديد. فجميع هؤلاء الذين لم يكونوا يحبون القيام بأي عمل يدوي كان عليهم أن يذهبوا وينتشروا في الأرض مكتشفين، وكان الإسبان شعباً محارباً، فهم يتدربون منذ ثمانمئة سنة، وكانوا باستمرار ينتظرون ويتحينون الفرصة المواتية للانقضاض على الغنائم بعد هذه الحروب الطويلة الضروس، ومن هنا ذهبوا بحثاً عن أرض بِكر تعج بالغِنىَ والثراء والثروات، وكانت هذه الأرض هي أمريكا.ويعتب غالا على الإسبان «إذ اتسموا في غالب الأحيان في بلدهم وفي البلدان التي «غزوها» بالعنف والجبروت والقهر والغِلظة، ولم يعتبروا الشعوبَ الإسبانية شعوباً بالمعنىَ الصحيح للكلمة، وقد نُزِعت عنهم كل صفةٍ للرحمة والرأفة والشفقة، وهكذا أصبحوا في هذا الصّقع النائي من العالم أبعدَ ما يكونون عن رسالة  السيد المسيح السمحاء.

**د. محمد محمد الخطابي: كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا.

رابط مصدر المقال: موقع السؤال الآن

 

 

X